الأحد، 13 ديسمبر 2020


جزء الذاريات سورة النجم (3)

قـــال تــعــالــى

(أَفَرَأَيْتَ الَّذِي تَوَلَّى * وَأَعْطى قَلِيلاً وَأَكْدى * أَعِنْدَهُ عِلْمُ الْغَيْبِ فَهُوَ يَرى * أَمْ لَمْ يُنَبَّأْ بِما فِي صُحُفِ مُوسى * وَإِبْراهِيمَ الَّذِي وَفَّى * أَلاَّ تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى * وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسانِ إِلاَّ مَا سَعى * وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرى * ثُمَّ يُجْزاهُ الْجَزاءَ الْأَوْفى * وَأَنَّ إِلى رَبِّكَ الْمُنْتَهى * وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكى * وَأَنَّهُ هُوَ أَماتَ وَأَحْيا * وَأَنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثى * مِنْ نُطْفَةٍ إِذا تُمْنى * وَأَنَّ عَلَيْهِ النَّشْأَةَ الْأُخْرى * وَأَنَّهُ هُوَ أَغْنى وَأَقْنى * وَأَنَّهُ هُوَ رَبُّ الشِّعْرى * وَأَنَّهُ أَهْلَكَ عَادًا الْأُولى * وَثَمُودَ فَما أَبْقى* وَقَوْمَ نُوحٍ مِنْ قَبْلُ إِنَّهُمْ كانُوا هُمْ أَظْلَمَ وَأَطْغى * وَالْمُؤْتَفِكَةَ أَهْوى * فَغَشَّاها مَا غَشَّى * فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكَ تَتَمارى * هَذَا نَذِيرٌ مِنَ النُّذُرِ الْأُولى * أَزِفَتِ الْآزِفَةُ * لَيْسَ لَها مِنْ دُونِ اللَّهِ كاشِفَةٌ * أَفَمِنْ هذَا الْحَدِيثِ تَعْجَبُونَ *وَتَضْحَكُونَ وَلا تَبْكُونَ * وَأَنْتُمْ سامِدُونَ * فَاسْجُدُوا لِلَّهِ وَاعْبُدُوا) سورة النجم (33ـ 62)


                                                       

1) مسائل العقيدة في الآيات.

   *وجوب الإيمان بالله وإقامة شرائعه.

في قوله تعالى(أَفَرَأَيْتَ الَّذِي تَوَلَّى * وَأَعْطى قَلِيلاً وَأَكْدى * أَعِنْدَهُ عِلْمُ الْغَيْبِ فَهُوَ يَرى * أَمْ لَمْ يُنَبَّأْ بِما فِي صُحُفِ مُوسى * وَإِبْراهِيمَ الَّذِي وَفَّى* أَلاَّ تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى * وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسانِ إِلاَّ مَا سَعى * وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرى * ثُمَّ يُجْزاهُ الْجَزاءَ الْأَوْفى *  وَأَنَّ إِلى رَبِّكَ الْمُنْتَهى)سورة النجم (33ــ42)

* قال الشيخ محمد العثيمين :

ـ قال تعالى (أَفَرَأَيْتَ) في القرآن فهي بمعنى أخبرني.

ـ قوله تعالى { الَّذِي تَوَلَّى } أي: عن طاعة الله عز وجل, وعن الإيمان بالله ورسوله صلى الله عليه وسلم وعن إقامة شعائر الإسلام.

ـ قوله تعالى { وَأَعْطى قَلِيلاً وَأَكْدى } يعني أحياناً يعطي، وإذا أعطى أعطى قليلاً، وأحياناً يكدي، أي: يمنع فلا يعطي شيئاً، لأنه ليس ينفق المال ابتغاء وجه الله.

ـ قوله تعالى (أَعِنْدَهُ عِلْمُ الْغَيْبِ) وهذا الاستفهام استفهام استنكار بمعنى النفي يعني ليس عنده علم الغيب.

ـ قوله تعالى (فَهُوَ يَرى) وهو يرى أنه سينتقل إلى دار أفضل من التي هو فيها.

ـ قوله تعالى( أَمْ لَمْ يُنَبَّأْ بِما فِي صُحُفِ مُوسى) ذكر موسى لأن موسى عليه السلام أفضل أنبياء بني إسرائيل والتوراة هي التي عليها عمدة ما نزل على بني إسرائيل.

ـ قوله تعالى { وَإِبْراهِيمَ } ذكر إبراهيم عليه السلام لأنه أبو الأنبياء، فهو أبو الأنبياء في بني إسماعيل، وأبو الأنبياء في بني إسرائيل.

 صحف إبراهيم عليه السلام أنزلها الله تعالى على إبراهيم فيها المواعظ، وفيها الأحكام، لكن لم يبين لنا منها شيئاً سوى أن إبراهيم عليه الصلاة والسلام كان على التوحيد وعلى الملة المستقيمة.

ـ قوله تعالى (الَّذِي وَفَّى } أي وفَّى بما أمر به ربه، ومن أعظم ما وفاه أنه أمر بذبح ابنه فامتثل أمر الله وصمم على تنفيذه، حتى إنه تله على جبينه ليمر السكين على رقبته، ولكن الفرج من عند الله.

ـ قوله تعالى { أَلاَّ تَزِرُ وازِرَةٌ) هذه بيان ما في صحف إبراهيم وموسى أي: لا تحمل إثم.

ـ قوله تعالى { وِزْرَ أُخْرى } أي: أن الإنسان لا يحمل ذنب غيره، لأن غيره قد وزر وأثم.

 إلا أنه يستثنى من ذلك: إذا كان صاحب سنة آثمة فإن عليه وزرها، ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة.

ـ قوله تعالى { وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسانِ إِلاَّ مَا سَعى } يعني ليس للإنسان من الثواب إلا ثواب ما سعى وما عمل، فلا يمكن أن يعطى من ثواب غيره.

ـ أورد عليهم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:

«من مات وعليه صيام صام عنه وليه» (أخرجه البخاري، كتاب الصوم، باب من مات وعليه صوم (1952) ومسلم، كتاب الصيام، باب قضاء الصيام عن الميت (1147) .

قالوا: هذا في الواجب، لأن عليه صيام وليس في التطوع، وكذلك الحج الواجب

ـ لحديث:

«أفحج عنه؟» قال: «نعم» (أخرجه البخاري، كتاب الصيد، باب حج المرأة عن الرجل (رقم 1855) ومسلم، كتاب الحج، باب الحج عن العاجز لزمانة أو هرم ونحوهما أو للموت (رقم 1334) .

ـ أن رجلاً قال يا رسول الله، إن أمي افتلتت نفسها، وأظنها لو بقيت لتصدقت أفأتصدق عنها؟

 قال: «نعم» (أخرجه البخاري، كتاب الصيد، باب حج المرأة عن الرجل (رقم 1855) ومسلم، كتاب الحج، باب الحج عن العاجز لزمانة أو هرم ونحوهما أو للموت (رقم 1334) .

* قال ابن كثير :

فَأَمَّا الدُّعَاءُ وَالصَّدَقَةُ فَذَاكَ مُجْمَعٌ عَلَى وُصُولِهِمَا وَمَنْصُوصٌ مِنَ الشَّارِعِ عَلَيْهِمَا.

وَأَمَّا الْحَدِيثِ الَّذِي رَوَاهُ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى الله عليه وسلم:

 « إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاثة: صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له» » » أخرجه مسلم في الوصية حديث 14، وأبو داود في الوصايا باب 14، والترمذي في الأحكام باب 36، والنسائي في الوصايا باب 8، وأحمد في المسند 2/ 372.

فَهَذِهِ الثَّلَاثَةُ فِي الْحَقِيقَةِ هِيَ مِنْ سَعْيِهِ وَكَدِّهِ وَعَمَلِهِ، وَالصَّدَقَةُ الْجَارِيَةُ كَالْوَقْفِ ونحوه هي من آثَارِ عَمَلِهِ وَوَقْفِهِ وَالْعِلْمُ الَّذِي نَشَرَهُ فِي النَّاسِ فَاقْتَدَى بِهِ النَّاسُ بَعْدَهُ هُوَ أَيْضًا مِنْ سَعْيِهِ وَعَمَلِهِ.

وَقَدْ قَالَ تَعَالَى( إِنَّا نَحْنُ نُحْيِ الْمَوْتى وَنَكْتُبُ ما قَدَّمُوا وَآثارَهُمْ) [يس:12] (تفسير ابن كثير 4/328)

* قال الشيخ محمد العثيمين

ـ قوله تعالى (وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرى )عملكم لن يخفى علي .

لقوله تعالى (فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ) التوبة :105)

ـ قوله تعالى { ثُمَّ يُجْزاهُ الْجَزاءَ الْأَوْفى } أي: الأكمل.

 فالأوفى :

 ـ يفسر بمعنى العدل، في السيئة لا يمكن أن يزاد سيئة.

 ـ يفسر بالزيادة والفضل في الحسنات، الحسنة بعشر أمثالها، إلى سبعمائة ضعف إلى أضعاف كثيرة.

ـ قوله تعالى { وَأَنَّ إِلى رَبِّكَ الْمُنْتَهى } فإلى الله المنتهى، وإلى الله المصير، فمنتهى أحوالنا وأحكامنا وجميع ما يصدر منا وعلينا إلى الله عز وجل. .(التفسير الثمين الشيخ محمد العثيمين 10/234ـ235)

 

                              

2) بيان قدرة الله تعالى .

في قوله تعالى (وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكى * وَأَنَّهُ هُوَ أَماتَ وَأَحْيا * وَأَنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثى * مِنْ نُطْفَةٍ إِذا تُمْنى * وَأَنَّ عَلَيْهِ النَّشْأَةَ الْأُخْرى * وَأَنَّهُ هُوَ أَغْنى وَأَقْنى * وَأَنَّهُ هُوَ رَبُّ الشِّعْرى) سورة النجم (43ـ 49)

* قال الشيخ محمد العثيمين :

أن الله سبحانه وتعالى على كل شيء قدير، وهو القادر على خلق الضدين.

ـ قوله تعالى { وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكى }

(أَضْحَكَ)الضحك الحقيقي ، لا ينشأ إلا عن سرور.

(وَأَبْكى) البكاء الحقيقي ، وهو لا يحصل إلا عن حزن.

فالله تعالى أضحك في الدنيا وأبكى، وأضحك في الآخرة وأبكى.

ـ قوله تعالى { وَأَنَّهُ هُوَ أَماتَ وَأَحْيا } أي:

ـ أمات في الدنيا وأحيا في الدنيا.

 أمات وأحيا البشر، تجد هذا تنفخ فيه الروح اليوم، فيكون الله قد أحياه، والآخر تنزع روحه من بدنه ويكون الله قد أماته.

ـ وأمات في الدنيا وأحيا في الآخرة.

ميتة عامة وحياة عامة، أمات العالم في الدنيا، وأحياهم في الآخرة، فهو الذي خلق الموت، وهو الذي خلق الحياة.

وهذان أيضاً متضادان، حياة وموت، كلها من عند الله عز وجل.

ـ قوله تعالى (وَأَنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ) الزوج بمعنى الصنف.

إذاً الزوجين يعني الصنفين، ثم بين هذين الزوجين

لقوله تعالى (الذَّكَرَ وَالْأُنْثى } من مادة واحدة

ـ قوله تعالى { مِنْ نُطْفَةٍ } وهي المني.

ـ قوله تعالى { إِذا تُمْنى} أي: تراق وتصب في رحم المرأة.

فالله خلق هذين الصنفين المختلفين خلقاً، والمختلفين مزاجاً، والمختلفين عقلاً، والمختلفين فكراً، خلقهما من شيء واحد من نطفة، وهذا يدل على كمال قدرته جل وعلا .

ـ قوله تعالى (وَأَنَّ عَلَيْهِ النَّشْأَةَ الْأُخْرى } أي: على الله ، الله أوجب على نفسه أن ينشئ الناس نشأة أخرى للجزاء، كل بحسب عمله.

ـ قوله تعالى { وَأَنَّهُ هُوَ أَغْنى } أي: أن الله تعالى هو الذي يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر، فهو الذي أغنى من شاء من خلقه .

ـ قوله تعالى { وَأَقْنى } المعنى أفقر, لأنها في مقابلة (أَغْنى }

فالذي يغني هو الله عز وجل، والذي يقني هو الله عز وجل.

  ـ قوله تعالى { وَأَنَّهُ } أي: الله عز وجل.

ـ قوله تعالى { هُوَ رَبُّ } أي: هو خالقها ومالكها ومدبرها.

 ـ قوله تعالى (الشِّعْرى) هي النجم المضيء الذي يخرج في شدة الحر، ونص على هذا النجم؛ لأن بعض العرب كانوا يعبدونها ويعظمونها

فبين تبارك وتعالى أن الشعرى من جملة المخلوقات وليست إلهاً، ولا تستحق أن تعبد.(التفسير الثمين الشيخ محمد العثيمين 10/ 235ـ 236ـ 237)

                            

 


 3) القصص القرآنية في الآيات.

 * قوم عاد وقوم ثمود وقوم نوح وقوم لوط:

في قوله تعالى (وَأَنَّهُ أَهْلَكَ عَادًا الْأُولى * وَثَمُودَ فَما أَبْقى * وَقَوْمَ نُوحٍ مِنْ قَبْلُ إِنَّهُمْ كانُوا هُمْ أَظْلَمَ وَأَطْغى * وَالْمُؤْتَفِكَةَ أَهْوى * فَغَشَّاها مَا غَشَّى * فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكَ تَتَمارى) سورة النجم (50ـ 55)

* قال الشيخ محمد العثيمين:

ـ قوله تعالى{ وَأَنَّهُ أَهْلَكَ عَادًا } وهم قوم هود.

ـ قوله تعالى (الْأُولى) وصفها بأنها الأولى أي: أنها القديمة السابقة وليس ثمة عاد أخرى، وهم قوم هود، وكان الله تعالى قد أعطاهم من القوة والنشاط وشدة البطش ما ليس لغيرهم ,فهؤلاء القوم يفتخرون بشدتهم وقوتهم فأهلكهم الله بألطف الأشياء، أهلكهم بريح .

ـ قوله تعالى { وَثَمُودَ فَما أَبْقى } وثمود هم أصحاب الحجر، أرسل الله إليهم صالحاً فكذبوه، وكان الله تعالى قد أعطاهم قوة، وأعطاهم معرفة وعلماً بهندسة البناء، لكن مع ذلك ما دفعوا ما أراد الله بهم، صيح بهم ورجفت بهم الأرض والعياذ بالله.

ـ قوله تعالى { وَقَوْمَ نُوحٍ مِنْ قَبْلُ } يعني وأهلك قوم نوح بالغرق.

ـ قوله تعالى { إِنَّهُمْ كانُوا هُمْ أَظْلَمَ وَأَطْغى } أن قوم نوح أظلم وأطغى من قوم ثمود وعاد.(التفسير الثمين الشيخ محمد العثيمين 10/ 237ـ238)

* قال ابن كثير:

أَيْ أَشَدُّ تَمَرُّدًا مِنَ الَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ.

ـ قوله تعالى (وَالْمُؤْتَفِكَةَ أَهْوى) يَعْنِي مَدَائِنَ لُوطٍ قَلَبَهَا عَلَيْهِمْ فَجَعَلَ عَالِيَهَا سَافِلَهَا، وَأَمْطَرَ عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ مَنْضُودٍ. (تفسير ابن كثير 4/330)

* قال الشيخ محمد العثيمين :

ـ قوله تعالى( فَغَشَّاهَا مَا غَشَّى ) أي غشيهم شيء عظيم، فالإبهام أحياناً يراد به التعظيم والتهويل والتفخيم، كما في هذه الآية.

ـ قوله تعالى(فَبِأَيِّ) الاستفهام هنا للتوبيخ.

ـ قوله تعالى{ آلاءِ } النعم .

ـ قوله تعالى { رَبِّكَ تَتَمارى } أي: تتشكك، أي: بأي نعم الله تتشكك أيها الإنسان، إذ إن الواجب أن الإنسان يقر بنعم الله ويشكر الله عليها.(التفسير الثمين الشيخ محمد العثيمين 10/ 238)

                            

4) الوعد والوعيد في الآيات .

      * الوعيد في الآية:

في قوله تعالى (هَذَا نَذِيرٌ مِنَ النُّذُرِ الْأُولى* أَزِفَتِ الْآزِفَةُ * لَيْسَ لَها مِنْ دُونِ اللَّهِ كاشِفَةٌ * أَفَمِنْ هذَا الْحَدِيثِ تَعْجَبُونَ * وَتَضْحَكُونَ وَلا تَبْكُونَ * وَأَنْتُمْ سامِدُونَ ) سورة النجم (56ـ 61)

* قال ابن كثير :

ـ قوله تعالى (هَذَا نَذِيرٌ) يَعْنِي مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .

ـ قوله تعالى (مِنَ النُّذُرِ الْأُولى) أَيْ مِنْ جِنْسِهِمْ أُرْسِلَ كَمَا أُرْسِلُوا .

ـ قوله تعالى (أَزِفَتِ الْآزِفَةُ) أَيِ اقْتَرَبَتِ الْقَرِيبَةُ وَهِيَ الْقِيَامَةُ.

ـ قوله تعالى ( لَيْسَ لَها مِنْ دُونِ اللَّهِ كاشِفَةٌ) أَيْ لَا يَدْفَعُهَا إِذًا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَحَدٌ وَلَا يطلع على علمها سواه.

ـ قوله تعالى (أَفَمِنْ هذَا الْحَدِيثِ تَعْجَبُونَ ) ثُمَّ قَالَ تَعَالَى مُنْكِرًا عَلَى الْمُشْرِكِينَ فِي اسْتِمَاعِهِمُ الْقُرْآنَ وَإِعْرَاضِهِمْ عَنْهُ وَتَلَهِّيهِمْ تَعْجَبُونَ مِنْ أَنْ يَكُونَ صَحِيحًا .

ـ قوله تعالى (وَتَضْحَكُونَ) مِنْهُ اسْتِهْزَاءً وَسُخْرِيَةً .(تفسير ابن كثير 4/330)

* قال الشيخ محمد العثيمين :

ـ قوله تعالى (وَلا تَبْكُونَ) أي: لا تبكون من هذا الحديث خشية وخوفاً وإنابة إلى الله عز وجل.

ـ قَوْلُهُ تعالى( وَأَنْتُمْ سامِدُونَ) فسامدون قيل: المعنى مغنون، وقيل: المعنى غافلون، والصواب أن المراد غافلون عنه بالغناء وغيره مما تتلهون به، حتى لا تسمعوا كلام الله عز وجل. (التفسير الثمين الشيخ محمد العثيمين 10/240)

 

                          

 

5) الأحكام الشرعية في الآيات.

   * الأمر بعبادة الله تعالى :

في قوله تعالى (فَاسْجُدُوا لِلَّهِ وَاعْبُدُوا )سورة النجم (62)

* قال ابن كثير :

 ثم قال تعالى آمِرًا لِعِبَادِهِ بِالسُّجُودِ لَهُ وَالْعِبَادَةِ الْمُتَابِعَةِ لِرَسُولِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالتَّوْحِيدِ وَالْإِخْلَاصِ .(تفسير ابن كثير 4/331)

* قال الشيخ محمد العثيمين :

ـ قوله تعالى (فَاسْجُدُوا لِلَّهِ)اسجدوا لله خضوعاً وذلاًّ، والمراد بالسجود هنا الصلوات كلها، وليس الركن الخاص الذي هو السجود، وليس أيضاً سجود التلاوة بل هو عام في كل الصلوات.

ـ قوله تعالى { وَاعْبُدُوا } هذا عام لكل العبادات، وخص الصلاة بالذكر وقدَّمها؛ لأنها أهم العبادات البدنية الظاهرة بعد الشهادتين.(التفسير الثمين الشيخ محمد العثيمين 10/ 240)

قَالَ الْبُخَارِيُّ  : حَدَّثَنَا أَبُو مَعْمَرٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ، حَدَّثَنَا أَيُّوبُ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ:

(سَجَدَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالنَّجْمِ وَسَجَدَ مَعَهُ الْمُسْلِمُونَ وَالْمُشْرِكُونَ وَالْجِنُّ وَالْإِنْسُ). انْفَرَدَ بِهِ دُونَ مُسْلِمٍ، كتاب التفسير، تفسير سورة 53، باب 4.

تم بحمد الله تفسير سورة النجم

صل الله على نبينا محمد وعلى اله وصحبه أجمعين

الخميس، 10 ديسمبر 2020


 

جزء الذاريات سورة النجم (2)

قـــال تــعــالـى

(أَمْ لِلْإِنْسانِ مَا تَمَنَّى * فَلِلَّهِ الْآخِرَةُ وَالْأُولى * وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّماواتِ لَا تُغْنِي شَفاعَتُهُمْ شَيْئاً إِلاَّ مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشاءُ وَيَرْضى * إِنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ لَيُسَمُّونَ الْمَلائِكَةَ تَسْمِيَةَ الْأُنْثى * وَما لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَإِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئاً * فَأَعْرِضْ عَنْ مَنْ تَوَلَّى عَنْ ذِكْرِنا وَلَمْ يُرِدْ إِلاَّ الْحَياةَ الدُّنْيا * ذلِكَ مَبْلَغُهُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اهْتَدى * وَلِلَّهِ مَا فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَساؤُا بِما عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى * الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَواحِشَ إِلاَّ اللَّمَمَ إِنَّ رَبَّكَ واسِعُ الْمَغْفِرَةِ هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَإِذْ أَنْتُمْ أَجِنَّةٌ فِي بُطُونِ أُمَّهاتِكُمْ فَلا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقى) سورة النجم (24ـ 32)

                                                               

1) مسائل العقيدة في الآيات.

   1) الله سبحانه يدبر الأمر كله:

في قوله تعالى (أَمْ لِلْإِنْسانِ مَا تَمَنَّى * فَلِلَّهِ الْآخِرَةُ وَالْأُولى) سورة النجم (24ـ 25)

 * قال الشيخ محمد العثيمين:

ـ قوله تعالى { أَمْ لِلْإِنْسانِ مَا تَمَنَّى } فهي بمعنى بل، وهمزة استفهام

والاستفهام هنا للإنكار والنفي، أي ليس للإنسان ما تمنى

كم يتمنى الإنسان من شيء ولكن لا يحصل، لأن هناك مدبراً وهو الله عز وجل

وفي هذا إشارة إلى رد صنيع هؤلاء المشركين:

ـ الذين يعبدون الأصنام ويقولون: إنها تقربهم إلى الله، وليس لهم ذلك

ـ ورد لقولهم: إن لله البنات ولهم البنين، وليس لهم ذلك

وهم وإن تمنوا ذلك وصار في مخيلتهم فإنه لا يحصل.(التفسير الثمين الشيخ محمد العثيمين 10/ 223)

 * قال ابن كثير :

ـ قوله تعالى( فَلِلَّهِ الْآخِرَةُ وَالْأُولى) أَيْ إِنَّمَا الْأَمْرُ كُلُّهُ لِلَّهِ مَالِكِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَالْمُتَصَرِّفِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ ، فَهُوَ الَّذِي مَا شَاءَ كَانَ وَمَا لَمْ يَشَأْ لَمْ يَكُنْ.(تفسير ابن كثير 4/ 324)

 

 

                             

2) شروط الشفاعة المثبتة:

في قوله تعالى (وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّماواتِ لَا تُغْنِي شَفاعَتُهُمْ شَيْئاً إِلاَّ مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشاءُ وَيَرْضى) سورة النجم (26)

 * قال ابن كثير :

إِذَا كَانَ هَذَا فِي حَقِّ الْمَلَائِكَةِ الْمُقَرَّبِينَ، فَكَيْفَ تَرْجُونَ أَيُّهَا الْجَاهِلُونَ شَفَاعَةَ هَذِهِ الأصنام والأنداد عند الله، وهو تعالى لَمْ يُشَرِّعْ عِبَادَتَهَا وَلَا أَذِنَ فِيهَا، بَلْ قَدْ نَهَى عَنْهَا عَلَى أَلْسِنَةِ جَمِيعِ رُسُلِهِ وأنزل بالنهي عن ذلك جميع كتبه؟

* قال الشيخ محمد العثيمين :

للشفاعة ثلاثة شروط:

الأول: رضى الله عن الشافع بأن يكون أهلاً للشفاعة لكونه من المقربين لله عز وجل.

الثاني: أن يرضى عن المشفوع له، بأن يكون أهلاً لأن يشفع له، أما الكافر فما تنفعهم شفاعة الشافعين.

الثالث: الإذن لقوله تعالى: { مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ) [البقرة:255] (التفسير الثمين الشيخ محمد العثيمين 10/223)

                                 

3) وجوب الإيمان باليوم الآخر:

لقوله تعالى (إِنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ لَيُسَمُّونَ الْمَلائِكَةَ تَسْمِيَةَ الْأُنْثى * وَما لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَإِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئاً * فَأَعْرِضْ عَنْ مَنْ تَوَلَّى عَنْ ذِكْرِنا وَلَمْ يُرِدْ إِلاَّ الْحَياةَ الدُّنْيا * ذلِكَ مَبْلَغُهُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اهْتَدى)سورة النجم (27ـ 30)

* قال الشيخ محمد العثيمين :

ـ قوله تعالى { لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ } أي: لا يصدقون بها ولا بما فيها من الثواب والعقاب، إذ إن الإيمان بالآخرة لابد أن يكون إيماناً بأن هذا اليوم سيكون، وإيماناً بكل ما ثبت من حصوله ووقعه فيه، إما في القرآن وإما في السنة .

فالإيمان باليوم الآخر يتضمن ثلاثة أمور:

الأول: الإيمان بوقوع اليوم الآخر أنه لابد كائن.

الثاني: الإيمان بما سيكون في هذا اليوم من: أهوال، وحساب، وموازين، وصراط، وجنة، ونار .

الثالث: الإيمان باليوم الآخر الإيمان بما يكون في القبر من فتنة القبر، سؤال الملكين الميت عن ثلاثة أشياء: من ربك؟ ما دينك؟ من نبيك؟(التفسير الثمين الشيخ محمد العثيمين 10/223ـ 224)

* قال ابن كثير :

ـ قوله تعالى { لَيُسَمُّونَ الْمَلائِكَةَ تَسْمِيَةَ الْأُنْثى } يَقُولُ تَعَالَى مُنْكِرًا عَلَى الْمُشْرِكِينَ فِي تَسْمِيَتِهِمُ الْمَلَائِكَةَ تَسْمِيَةَ الْأُنْثَى، وَجَعْلِهِمْ بنات الله تعالى الله عن ذلك.

يجعلون الملائكة إناثاً كالمشركين، قالوا: الملائكة بنات الله

لأنهم لا يؤمنون بالآخرة، ولو آمنوا بالعقاب ما قالوا هذا، لكنهم لا يؤمنون، فيقولون ما يريدون.

ولهذا قال تعالى (وَما لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ)  أَيْ لَيْسَ لَهُمْ عِلْمٌ صَحِيحٌ يُصَدِّقُ مَا قَالُوهُ، بَلْ هُوَ كَذِبٌ وَزُورٌ وَافْتِرَاءٌ وَكُفْرٌ شَنِيعٌ.

ـ قوله تعالى(إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئاً) أَيْ لَا يُجْدِي شَيْئًا وَلَا يَقُومُ أَبَدًا مَقَامَ الْحَقِّ.

وَقَدْ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:

«إِيَّاكُمْ وَالظَّنَّ فَإِنَّ الظَّنَّ أكذب الحديث»  أخرجه البخاري في الوصايا باب 8، والنكاح باب 45، والفرائض باب 2، والأدب باب 57، ومسلم في البر حديث 28، والترمذي في البر باب 56، ومالك في حسن الخلق حديث 15، وأحمد في المسند 2/ 245، 287، 312، 342، 470، 482، 491، 492، 504، 517، 539.(تفسير ابن كثير 4/ 324)

* قال الشيخ محمد العثيمين :

هذا الظن : المبني على الوهم لا على القرائن لا يغني من الحق شيئاً، أي لا يفيد شيئاً من الحق، لأنه وهم باطل، والوهم الباطل لا يمكن أن يفيد.

ـ قوله تعالى { فَأَعْرِضْ عَنْ مَنْ تَوَلَّى) يعني لا تبالي به ولا يهمنك أمره، ولا تستحسر من أجل توليه، بل ادع إلى سبيل الله ، لكن من أعرض وتولى لا يهمك أمره.

ـ قوله تعالى { عَنْ ذِكْرِنا } هو القرآن، ويحتمل أن يكون الذكر بمعنى التذكير، أي عن تذكيرنا، وكلا المعنيين متلازمان صحيحان. لأن القرآن ذكر.

ـ قوله تعالى { وَلَمْ يُرِدْ إِلاَّ الْحَياةَ الدُّنْيا} يعني لا يريد الآخرة ولا يهتم بها، بل همه الدنيا .

والحياة الدنيا وصفها بالدنيا من الدنو وهو القرب، وذلك لانحطاط مرتبتها، ولسبقها على الآخرة، لأن الدار الدنيا هي أول دار ينزلها الإنسان.

ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام:

(لموضع سوط أحدكم من الجنة خير من الدنيا وما فيها) (أخرجه البخاري، كتاب الجهاد، باب فضل رباط يوم في سبيل الله (2892) ..

موضع السوط الذي يكون بقدر المتر في الجنة خير من الدنيا وما فيها.

* موقف ابن حجر مع اليهودي:

ويذكر أن ابن حجر - رحمه الله - وكان رئيس القضاء في مصر.

مر يوماً من الأيام في موكبه على العربة تجرها البغال، وحوله الجنود برجل يهودي زيَّات يبيع الزيت، قد تدنست ثيابه بالزيت، وشقي في طلب المعيشة فأوقفه اليهودي

وقال لابن حَجَر: إن نبيكم يزعم (أن الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر)!

فكيف يتفق هذا الحديث مع الواقع، أنت الآن مؤمن وأنا يهودي فأيهما الشقي؟

قال: نعم ما أنا فيه الآن بالنسبة للآخرة سجن، لأن الآخرة خير لمن اتقى، وما أنت فيه بالنسبة للآخرة جنة، لأن الآخرة ليس لك فيها إلا النار وبئس القرار فقال: أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً رسول الله، فانظر كيف فتح الله عليه.(التفسير الثمين الشيخ محمد العثيمين 10/225ـ 226)

* قال ابن كثير :

ـ قوله تعالى(فَأَعْرِضْ عَنْ مَنْ تَوَلَّى عَنْ ذِكْرِنا) أَيْ أَعْرِضْ عَنِ الَّذِي أَعْرَضَ عَنِ الْحَقِّ وَاهْجُرْهُ.

 ـ َقَوْلُهُ تعالى ( وَلَمْ يُرِدْ إِلَّا الْحَياةَ الدُّنْيا) أَيْ إِنَّمَا أَكْثَرُ هَمِّهِ وَمَبْلَغُ عِلْمِهِ الدُّنْيَا، فَذَاكَ هو غاية ما لا خير فيه.

 ـ لهذا قال تعالى (ذلِكَ مَبْلَغُهُمْ مِنَ الْعِلْمِ) أَيْ طَلَبُ الدُّنْيَا وَالسَّعْيُ لَهَا هُوَ غَايَةُ مَا وَصَلُوا إِلَيْهِ.

* قال ابن كثير :

ـ قَوْلُهُ تَعَالَى (إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اهْتَدى) أَيْ هُوَ الْخَالِقُ لِجَمِيعِ الْمَخْلُوقَاتِ وَالْعَالَمُ بِمَصَالِحِ عِبَادِهِ، وَهُوَ الَّذِي يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَيُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ، وَذَلِكَ كُلُّهُ عَنْ قُدْرَتِهِ وَعِلْمِهِ وَحِكْمَتِهِ وَهُوَ الْعَادِلُ الَّذِي لَا يَجُورُ أَبَدًا لَا فِي شرعه ولا في قدره.(تفسير ابن كثير 4/324)

                             

4) سعة علم الله تعالى .

في قوله تعالى (وَلِلَّهِ مَا فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَساؤُا بِما عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى * الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَواحِشَ إِلاَّ اللَّمَمَ إِنَّ رَبَّكَ واسِعُ الْمَغْفِرَةِ هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَإِذْ أَنْتُمْ أَجِنَّةٌ فِي بُطُونِ أُمَّهاتِكُمْ فَلا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقى)سورة النجم (31ـ 32)

* قال ابن كثير :

يخبر تعالى أنه مالك السموات وَالْأَرْضِ، وَأَنَّهُ الْغَنِيُّ عَمَّا سِوَاهُ الْحَاكِمُ فِي خَلْقِهِ بِالْعَدْلِ وَخَلَقَ الْخَلْقَ بِالْحَقِّ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَساؤُا بِما عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى أَيْ يُجَازِي كُلًّا بِعَمَلِهِ إِنْ خَيْرًا فَخَيْرٌ وَإِنْ شَرًّا فَشَرٌّ

ثُمَّ فَسَّرَ الْمُحْسِنِينَ:

 بِأَنَّهُمُ الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ، أَيْ لَا يَتَعَاطَوْنَ الْمُحَرَّمَاتِ وَالْكَبَائِرَ وَإِنْ وَقَعَ مِنْهُمْ بَعْضُ الصَّغَائِرِ فَإِنَّهُ يَغْفِرُ لَهُمْ وَيَسْتُرُ عَلَيْهِمْ .

وَقَالَ تعالى (الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَواحِشَ إِلَّا اللَّمَمَ) وَهَذَا اسْتِثْنَاءٌ مُنْقَطِعٌ، لِأَنَّ اللَّمَمَ مِنْ صَغَائِرِ الذُّنُوبِ وَمُحَقَّرَاتِ الْأَعْمَالِ.(تفسير ابن كثير 4/325ـ326)

* قال الشيخ محمد العثيمين :

ـ قوله تعالى{ إِلَّا اللَّمَمَ } يعني: أن هؤلاء الذين أحسنوا يأتون الصغائر، والصغائر والحمد لله مكفرة بالحسنات،

* أخبر النبي عليه الصلاة والسلام :

(أن الصلوات الخمس، والجمعة إلى الجمعة، ورمضان إلى رمضان مكفرات لما بينهن إذا اجتنبت الكبائر) (أخرجه مسلم، كتاب الطهارة، باب الصلوات الخمس والجمعة إلى الجمعة ورمضان إلى رمضان ... (رقم 233) (16) .

* أن الصغائر تقع مكفرة :

ـ باجتناب الكبائر

ـ فعل هذه الحسنات العظيمة: الصلوات الخمس، والجمعة إلى الجمعة، ورمضان إلى رمضان.

ـ قوله تعالى { إِنَّ رَبَّكَ واسِعُ الْمَغْفِرَةِ}المغفرة هي ستر الذنب مع التجاوز عنه، ولا يكفي ستر الذنب بل لابد من تجاوز، فإذا المغفرة لابد من ستر ووقاية

أن الله تبارك وتعالى إذا خلا بعبده المؤمن يوم القيامة وقرره بذنوبه وأقر قال:

«قد سترتها عليك في الدنيا وأنا أغفرها لك اليوم» (أخرجه البخاري، كتاب الأدب، باب ستر المؤمن على نفسه (6070) ومسلم، كتاب التوبة، باب قبول القاتل وإن كثر قتله (2768) .(التفسير الثمين الشيخ محمد العثيمين 10/ 229ـ 230)

* قال ابن كثير :

ـ قوله تعالى(إِنَّ رَبَّكَ واسِعُ الْمَغْفِرَةِ) أَيْ رَحْمَتُهُ وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ وَمَغْفِرَتُهُ تَسَعُ الذُّنُوبَ كُلَّهَا لِمَنْ تاب منها.(تفسير ابن كثير 4/326)

* أقسام النشأة:

1) النشأة الأولى في قوله تَعَالَى(هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ)

* قال ابن كثير :

أَيْ هُوَ بَصِيرٌ بِكُمْ عَلِيمٌ بِأَحْوَالِكُمْ وَأَفْعَالِكُمْ وَأَقْوَالِكُمُ الَّتِي تَصْدُرُ عَنْكُمْ، وَتَقَعُ مِنْكُمْ حِينَ أنشأ أباكم مِنَ الْأَرْضِ، وَاسْتَخْرَجَ ذُرِّيَّتَهُ مِنْ صُلْبِهِ أَمْثَالَ الذَّرِّ ثُمَّ قَسَمَهُمْ فَرِيقَيْنِ: فَرِيقًا لِلْجَنَّةِ وَفَرِيقًا لِلسَّعِيرِ.

* قال الشيخ محمد العثيمين :

أي بخلق أبينا آدم، لأن آدم خلق من التراب، ثم صار طيناً، ثم صار صلصالاً، ثم خلقه الله بيده جسماً ونفخ فيه الروح، فصار آدميًّا إنساناً، إذاً نحن من الأرض

أول نشأة.

ولذلك الآن بنو آدم كالأرض تماماً، فيهم الحزم الصلب الشديد، وفيهم السهل، وفيهم ما بين ذلك، وفيهم الأبيض، وفيهم الأحمر، وفيهم الأسود، لأن الأراضي تختلف، هكذا

وقد ذُكر أن الله لما أراد أن يخلق آدم أخذ من كل الأرض سهلها وحزنها، وأسودها وأبيضها كلها (أخرجه الترمذي، كتاب التفسير، باب ومن سورة البقرة (رقم 2955) . وقال: هذا حديث حسن صحيح.

2) النشأة الثانية في قوله تعالى (وَإِذْ أَنْتُمْ أَجِنَّةٌ فِي بُطُونِ أُمَّهاتِكُمْ )

* قال ابن كثير :

وَإِذْ أَنْتُمْ أَجِنَّةٌ فِي بُطُونِ أُمَّهاتِكُمْ قَدْ كَتَبَ الْمَلَكُ الَّذِي يُوَكَّلُ بِهِ رِزْقَهُ وَأَجَلَهُ وَعَمَلَهُ وَشَقِيٌّ أَمْ سَعِيدٌ؟

* قال الشيخ محمد العثيمين :

هذه النشأة الثانية

ـ قوله تعالى (أَجِنَّةٌ) جمع جنين وهو الحمل، وسمي الحمل جنيناً، لأنه مستتر .

ـ قوله تعالى { فِي بُطُونِ أُمَّهاتِكُمْ }  أي من حين كان الإنسان نطفة، ومن النطفة يخلق، فمن حين يكون نطفة يكون جنيناً ثم يتطور أربعة، نطفة، ثم علقة، ثم مضغة مخلَّقة وغير مخلَّقة، ثم أنشأناه خلقاً آخر. الطور الأخير الذي تحل فيه الروح.

ـ قوله تعالى(فَلا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ) أي: لا تزكوها وتقول عملت كذا وكذا، وصليت، وزكيت، وصمت، وجاهدت، وحججت ، لا تقل هكذا، تُدل بعملك على ربك، هذا لا يجوز

ـ قوله تعالى(هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقى) يعني إن كنت تقيا لله ,فالله أعلم بك ,ولا حاجة أن تقول لله, إني فعلت وفعلت .(التفسير الثمين الشيخ محمد العثيمين 10/231)

صل الله على نبينا محمد وعلى اله وصحبه أجمعين

    

  جزء الرابع والعشرون سورة الزمر (3) قــال تـعــالـى ﴿ وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ أَنْ يَعْبُدُوها وَأَنابُوا إِلَى اللَّهِ لَ...