السبت، 2 يناير 2021


 
جزء الذاريات تفسير سورة الرحمن(1)                         

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ

(الرَّحْمنُ * عَلَّمَ الْقُرْآنَ * خَلَقَ الْإِنْسانَ * عَلَّمَهُ الْبَيانَ * الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبانٍ* وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدانِ * وَالسَّماءَ رَفَعَها وَوَضَعَ الْمِيزانَ * أَلاَّ تَطْغَوْا فِي الْمِيزانِ * وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ وَلا تُخْسِرُوا الْمِيزانَ * وَالْأَرْضَ وَضَعَها لِلْأَنامِ * فِيها فاكِهَةٌ وَالنَّخْلُ ذاتُ الْأَكْمامِ * وَالْحَبُّ ذُو الْعَصْفِ وَالرَّيْحانُ * فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ * خَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ صَلْصالٍ كَالْفَخَّارِ * وَخَلَقَ الْجَانَّ مِنْ مارِجٍ مِنْ نارٍ * فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ *رَبُّ الْمَشْرِقَيْنِ وَرَبُّ الْمَغْرِبَيْنِ * فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ * مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيانِ * بَيْنَهُما بَرْزَخٌ لَا يَبْغِيانِ * فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ * يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجانُ * فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ * وَلَهُ الْجَوارِ الْمُنْشَآتُ فِي الْبَحْرِ كَالْأَعْلامِ * فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ)سورة الرحمن (1ـ 25)


                                                     

1) مسائل العقيدة في الآيات.

    * بيان سعة رحمة الله:

في قوله تعالى (الرَّحْمنُ * عَلَّمَ الْقُرْآنَ * خَلَقَ الْإِنْسانَ * عَلَّمَهُ الْبَيانَ)سورة الرحمن (1ـ 4)

 * قال ابن كثير :

يُخْبِرُ تَعَالَى عَنْ فَضْلِهِ وَرَحْمَتِهِ بِخَلْقِهِ أَنَّهُ أَنْزَلَ عَلَى عِبَادِهِ الْقُرْآنَ، وَيَسَّرَ حِفْظَهُ وَفَهْمَهُ عَلَى مَنْ رحمه.(تفسير ابن كثير 4/343)

* قال الشيخ محمد العثيمين :

ـ قوله تعالى(الرَّحْمنُ ) ذو الرحمة الواسعة التي وسعت كل شيء.

ـ قوله تعالى (عَلَّمَ الْقُرْآنَ) أي: علمه من شاء من عباده.

 أولاً :علمه جبريل عليه السلام .

ثانياً : نزل به جبريل على قلب النبي صلى الله عليه وسلم

ثالثاً : بلغه محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم إلى جميع الناس.

والقرآن :هو الكتاب العزيز الذي أنزله الله تعالى باللغة العربية، وتعليم القرآن يشمل تعليم لفظه، وتعليم معناه، وتعليم كيف العمل به.

ـ قوله تعالى(خَلَقَ الْإِنْسانَ) أي: أوجده من العدم، فالإنسان كان معدوماً قبل وجوده.

لما كان تعليم القرآن أعظم منة من الله عز وجل على العبد قدمه على خلقه.

ـ قوله تعالى(عَلَّمَهُ الْبَيانَ } التعبير عما في قلبه، ويكون باللسان نطقاً، ويكون بالبنان كتابة.(التفسير الثمين الشيخ محمد العثيمين 10/258)


                                                    

  * جميع المخلوقات تسجد لله تعالى:

في قوله تعالى (الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبانٍ * وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدانِ) سورة الرحمن (5ـ 6)

ـ قوله تعالى (الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبانٍ } أي: بحساب دقيق معلوم متقن منتظم أشد الانتظام، يجريان كما أمرهما الله عز وجل .

ـ قوله تعالى (وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدانِ) النجم اسم جنس، والمراد به النجوم تسجد لله سجوداً حقيقياً، لكننا لا نعلم كيفيته، لأن هذا من الأمور التي لا تدركها العقول.

والشجر يسجد لله عز وجل سجوداً حقيقياً لكن لا ندري كيف ذلك، والله على كل شيء قدير.

قال الله تعالى: { أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَمَن فِي الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ وَكَثِيرٌ مِّنَ النَّاسِ }سورة الحج:18)

(التفسير الثمين الشيخ محمد العثيمين 10/258ـ259)

                            

  2) الأحكام الشرعية في الآيات :

* الامر بإقامة العدل :

في قوله تعالى (وَالسَّماءَ رَفَعَها وَوَضَعَ الْمِيزانَ * أَلاَّ تَطْغَوْا فِي الْمِيزانِ * وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ وَلا تُخْسِرُوا الْمِيزانَ)سورة الرحمن (7ـ 9)

* قال الشيخ محمد العثيمين:

ـ قوله تعالى(وَالسَّماءَ رَفَعَها) ارتفاعاً عظيماً شاهقاً.

ـ قوله تعالى { وَوَضَعَ الْمِيزانَ } أي: وضع العدل، أي أثبته للناس، ليقوموا بالعدل .

ـ قوله تعالى{ أَلاَّ تَطْغَوْا فِي الْمِيزانِ } فتجوروا، فتحكم للشخص وهو لا يستحق، أو على الشخص وهو لا يستحق.

 ـ قوله تعالى { وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ }  يعني وزنكم للأشياء، أقيموه ولا تبخسوه فتنقصوا.

لهذا قال تعالى{ وَلا تُخْسِرُوا الْمِيزانَ } أي لا تخسروا الموزون.(التفسير الثمين الشيخ محمد العثيمين 10/259)

 

                           

3) مسائل العقيدة في الآيات:

* بيان قدرة الله :

في قوله تعالى (وَالْأَرْضَ وَضَعَها لِلْأَنامِ * فِيها فاكِهَةٌ وَالنَّخْلُ ذاتُ الْأَكْمامِ * وَالْحَبُّ ذُو الْعَصْفِ وَالرَّيْحانُ * فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ)سورة الرحمن (10ـ 13)

 * قال ابن كثير :

ـ قوله تعالى { وَالْأَرْضَ وَضَعَها } أَيْ كَمَا رَفَعَ السَّمَاءَ وَضَعَ الْأَرْضَ وَمَهَّدَهَا وَأَرْسَاهَا بِالْجِبَالِ الرَّاسِيَاتِ الشَّامِخَاتِ، لِتَسْتَقِرَّ لِمَا عَلَى وَجْهِهَا مِنَ الْأَنَامِ.

ـ قوله تعالى (لِلْأَنامِ) وَهُمُ الْخَلَائِقُ الْمُخْتَلِفَةُ أَنْوَاعُهُمْ وَأَشْكَالُهُمْ وَأَلْوَانُهُمْ وَأَلْسِنَتُهُمْ فِي سَائِرِ أَقْطَارِهَا وَأَرْجَائِهَا.

ـ قوله تعالى { فِيها }  أي في الأرض .

ـ قوله تعالى { فاكِهَةٌ } أَيْ مُخْتَلِفَةُ الْأَلْوَانِ وَالطُّعُومِ وَالرَّوَائِحِ.(تفسير ابن كثير 4/ 344)

* قال الشيخ محمد العثيمين :

ـ قوله تعالى (وَالنَّخْلُ ) نص على النخل، لأن ثمرتها أفضل الثمار فهي حلوى وغذاء وفاكهة، وشجرتها من أبرك الأشجار وأنفعها.

حتى إن النبي صلى الله عليه وسلم شبه النخلة بالمؤمن فقال:

«إن من الشجر شجرة مثلها مثل المؤمن»

فخاض الصحابة رضي الله عنهم في الشجر حتى أخبرهم النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أنها النخلة) (أخرجه البخاري، كتاب العلم، باب قول المحدث: حدثنا أو أخبرنا وأنبأنا (رقم 61) ومسلم، كتاب صفات المنافقين وأحكامهم، باب مثل المؤمن مثل النخلة (رقم 2811) .

ـ قوله تعالى (ذاتُ الْأَكْمامِ) جمع كم وهو غلاف الثمرة.

ـ قوله تعالى { وَالْحَبُّ } الحب يعني الذي يؤكل من الحنطة والذرة والدخن والأرز وغير ذلك.

ـ قوله تعالى { ذُو الْعَصْفِ } يعني ما يحصل من ساقه عند يبسه وهو ما يعرف بالتبن؛ لأنه يعصف أي تطؤه البهائم بأقدامها حتى ينعصف .

ـ قوله تعالى { وَالرَّيْحانُ } هذا الشجر ذو الرائحة الطيبة.

ـ قوله تعالى{ فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ } الخطاب للجن والإنس، والاستفهام للإنكار، أي: أي نعمة تكذبون بها. (التفسير الثمين الشيخ محمد العثيمين 10/259ـ 260)

                              

* ابتداء خلق الثقلين:

في قوله تعالى (خَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ صَلْصالٍ كَالْفَخَّارِ * وَخَلَقَ الْجَانَّ مِنْ مارِجٍ مِنْ نارٍ * فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ)سورة الرحمن (14ـ 16)

* قال الشيخ محمد العثيمين :

ـ قوله تعالى(خَلَقَ الْإِنْسانَ) خلق الإنسان يعني جنسه من صلصال.

ـ قوله تعالى (مِنْ صَلْصالٍ كَالْفَخَّارِ ) والصلصال هو الطين اليابس الذي له صوت.

باعتبار خلق آدم عليه السلام:

ينتقل من كونه تراباً، إلى كونه طيناً، إلى كونه حمأ، إلى كونه صلصالاً، إلى كونه كالفخار، حتى إذا استتم نفخ الله فيه من روحه فصار آدمياً.

ـ قوله تعالى { وَخَلَقَ الْجَانَّ } وهم الجن.

ـ قوله تعالى { مِنْ مارِجٍ مِنْ نار } المارج هو المختلط الذي يكون في اللهب إذا ارتفع صار مختلطاً بالدخان، فيكون له لون بين الحمرة والصفرة، فهذا هو المارج من نار.

ـ الجان خلق قبل الإنس:

ولهذا قال إبليس لله عز وجل  { أَنَا خَيْرٌ مِّنْهُ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ } (سورة ص:76)

ـ قوله تعالى{فبأي ءالآء ربكما تكذبان} أي: بأي نعمة من نعم الله تكذبون، حيث خلق الله الإنسان من هذه المادة، والجن من هذه المادة.

عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

 «خُلِقَتِ الْمَلَائِكَةُ مِنْ نُورٍ، وَخَلَقَ الْجَانَّ مِنْ مَارِجٍ مِنْ نَارٍ، وَخَلَقَ آدَمُ مِمَّا وُصِفَ لَكُمْ» «أخرجه مسلم في الزهد حديث 60.(التفسير الثمين الشيخ محمد العثيمين 10/260)

                                  

* لا يشرق ولا يغرب إلا بإذن الله تعالى:

في قوله تعالى (رَبُّ الْمَشْرِقَيْنِ وَرَبُّ الْمَغْرِبَيْنِ * فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ) سورة الرحمن (17ـ 18)

* قال الشيخ محمد العثيمين :

ـ قوله تعالى{ رَبُّ الْمَشْرِقَيْنِ وَرَبُّ الْمَغْرِبَيْنِ } يعني أنه مالكهما ومدبرهما، فما من شيء يشرق إلا بإذن الله ، ولا يغرب إلا بإذن الله وما من شيء يحوزه المشرق والمغرب إلا لله عز وجل.

قال تعالى{ فَلَا أُقْسِمُ بِرَبِّ الْمَشَارِقِ وَالْمَغَارِبِ }المعارج :40)

قال تعالى{ رَّبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ فَاتَّخِذْهُ وَكِيلًا )المزمل(9)

فما الجمع بينها؟

ـ قوله تعالى { رَبُّ الْمَشْرِقَيْنِ وَرَبُّ الْمَغْرِبَيْنِ }  التثنية فباعتبار مشرقي الشتاء والصيف، فالشمس في الشتاء تشرق من أقصى الجنوب، وفي الصيف بالعكس.

ـ قوله تعالى { فَلَا أُقْسِمُ بِرَبِّ الْمَشَارِقِ وَالْمَغَارِبِ }أما جمع المغارب والمشارق فباعتبار مشرق كل يوم ومغربه، لأن الشمس كل يوم تشرق من غير المكان الذي أشرقت منه بالأمس، فالشمس يتغير شروقها وغروبها كل يوم، ولاسيما عند تساوي الليل والنهار، فتجد الفرق دقيقة، أو دقيقة ونصفاً بين غروبها بالأمس واليوم، وكذلك الغروب.

 ـ قوله تعالى { رَّبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ فَاتَّخِذْهُ وَكِيلًا } فباعتبار الناحية، لأن النواحي أربع: مشرق، ومغرب، وشمال، وجنوب.

ـ قوله تعالى{ فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ} أي: بأي شيء من نعم الله تكذبان يا معشر الجن والإنس؟ جوابنا: ألا نكذب بشيء من آلائك يا ربنا.(التفسير الثمين الشيخ محمد العثيمين 10/ 260ـ261)

 

                           

4) الفوائد المستنبطة من الآيات:

     * منافع البحر العظيمة:

في قوله تعالى (مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيانِ * بَيْنَهُما بَرْزَخٌ لَا يَبْغِيانِ * فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ * يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجانُ * فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ * وَلَهُ الْجَوارِ الْمُنْشَآتُ فِي الْبَحْرِ كَالْأَعْلامِ * فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ)سورة الرحمن (19ـ 25)

 * قال الشيخ محمد العثيمين :

ـ قوله تعالى { مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ } بمعنى أرسل البحرين، يعني المالح والعذب.

ـ البحار المالحة العظيمة :(البحر الأحمر، والبحر الأبيض، والبحر الأطلسي)

 وهذه البحار كلها مالحة وجعلها الله تبارك وتعالى مالحة، لأنها لو كانت عذبة لفسد الهواء وأنتنت، لكن الملح يمنع الإنتان والفساد.

 ـ والبحر العذب : الأنهار التي تأتي إما من كثرة الأمطار، وإما من ثلوج تذوب وتسيح في الأرض.

 ـ قوله تعالى { يَلْتَقِيانِ } يلتقي بعضهما ببعض عند مصب النهر في البحر فيمتزج بعضهما ببعض.

 ـ قوله تعالى { بَيْنَهُما بَرْزَخٌ } وهو اليابس من الأرض.

 ـ قوله تعالى { لَا يَبْغِيانِ } حين سيرهما أو حين انفرادهما، لا يبغي أحدهما على الآخر.

ـ قوله تعالى(يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجانُ) أن اللؤلؤ يخرج منهما جميعاً .

ـ قوله تعالى { فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ } لأن ما في هذه البحار وما يحصل من المنافع العظيمة، نِعم كثيرة لا يمكن للإنسان أن ينكرها أبداً.

ـ قوله تعالى { وَلَهُ الْجَوارِ الْمُنْشَآتُ} وأصلها الجواري جمع جارية، وهي السفينة تجري في البحر.

ـ قوله تعالى { فِي الْبَحْرِ } أي الجواري في البحر, لأن السفن تصنع في البر أولاً ثم تنزل في البحر.

ـ قوله تعالى { فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ } أي بأي: نعمة من نعم الله تكذبان، والخطاب للإنس والجن.(التفسير الثمين الشيخ محمد العثيمين 10/261ـ 262)

                            

5) الأمثال القرآنية في الآيات.

   * تشبيه السفن في البحار بالجبال:

في قوله تعالى (وَلَهُ الْجَوارِ الْمُنْشَآتُ فِي الْبَحْرِ كَالْأَعْلامِ)سورة الرحمن (24)

* قال الشيخ محمد العثيمين :

ـ قوله تعالى (فِي الْبَحْرِ كَالْأَعْلامِ) الأعلام جمع علم وهو الجبل، كأنه جبل، ومن شاهد السفن في البحار رأى أن هذا التشبيه منطبق تماماً عليها، فهي كالجبال تسير في البحر بأمر الله عز وجل .(التفسير الثمين الشيخ محمد العثيمين 10/262)

صل الله على نبينا محمد وعلى اله وصحبه أجمعين


الجمعة، 1 يناير 2021


جزء الذاريات سورة القمر (3)

قــال تــعــالــى

(إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي ضَلالٍ وَسُعُرٍ * يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي النَّارِ عَلى وُجُوهِهِمْ ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ * إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْناهُ بِقَدَرٍ * وَما أَمْرُنا إِلاَّ واحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ * وَلَقَدْ أَهْلَكْنا أَشْياعَكُمْ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ * وَكُلُّ شَيْءٍ فَعَلُوهُ فِي الزُّبُرِ * وَكُلُّ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ مُسْتَطَرٌ * إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ * فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ)(سورة القمر (47ـ 55)


                                                    

1/ الوعد والوعيد في الآيات :

    * الوعيد في الآية :

في قوله تعالى (إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي ضَلالٍ وَسُعُرٍ * يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي النَّارِ عَلى وُجُوهِهِمْ ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ )سورة القمر (47ـ 48 )

  * قال ابن كثير :

ـ قوله تعالى (إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي ضَلالٍ وَسُعُرٍ) يُخْبِرُنَا تَعَالَى عَنِ الْمُجْرِمِينَ أَنَّهُمْ فِي ضَلَالٍ عَنِ الْحَقِّ وَسُعُرٍ مِمَّا هُمْ فِيهِ مِنَ الشُّكُوكِ وَالِاضْطِرَابِ فِي الْآرَاءِ. (تفسير ابن كثير 4/339)

* قال الشيخ محمد العثيمين:

ـ قوله تعالى (إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي ضَلالٍ) الضلال في الدنيا لا يهتدون ,والسعر في الآخرة.

ـ قوله تعالى (وَسُعُرٍ) أي : في نار شديدة .

ـ قال تعالى(يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي النَّارِ عَلى وُجُوهِهِمْ )

يسحبون سحباً كما تسحب الجيفة، ليبعد بها عن المنازل، وليسوا يسحبون على ظهورهم ولكن على وجوههم ,الساحب هم الملائكة الموكلين بهم، لأن للنار ملائكة موكلين بها.

 ـ قوله تعالى{ ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ } انظر إلى الإذلال: جسدي وقلبي، الجسدي هو أنهم يسحبون على وجوههم، والقلبي أنهم يوبخون.

ـ قوله تعالى (مَسَّ ) أي: صلاها .

ـ قوله تعالى (سَقَرَ ) وسقر من أسماء النار .(التفسير الثمين الشيخ محمد العثيمين 10/ 254)

                            

2)مسائل العقيدة في الآيات.

  * من أركان الإيمان (الإيمان بالقدر خيره وشره)

في قوله تعالى { إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْناهُ بِقَدَرٍ )سورة القمر(49)

·     عقيدة أهل السنة والجماعة في القضاء والقدر .

·     تعريف القضاء والقدر .

القدر. لغة :- بمعنى التقدير كما قال تعالى (إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ) سورة القمر (   49 ) 

    التقدير  : هو ما قدره الله تعالى في الأزل ما يكون في خلقه.

القضاء. لغة – الحكم . والقضاء : هو ما قضى به الله سبحانه وتعالى في خلقه من إيجاد أو إعدام أو تغيير  .

* الفرق بين القضاء والقدر .

1- القدر أعم والقضاء أخص .

2- القدر سابق والقضاء لاحق .

3- القدر فيه عدة صفات لله ( العلم – الكتابة ، المشيئة ، الخلق ) أما القضاء يدل على ( خلقه ومشيئة .

* الإيمان بالقدر .

     الإيمان بالقدر واجب وهو أحد أركان الإيمان الستة .

لقول النبي صلى الله عليه وسلم : (وفي حديث جبريل المشهور قَالَ: فَأَخْبِرْنِي عَنِ الْإِيمَانِ، قَالَ: ( أَنْ تُؤْمِنَ بِاللهِ، وَمَلَائِكَتِهِ، وَكُتُبِهِ، وَرُسُلِهِ، وَالْيَوْمِ الْآخِرِ، وَتُؤْمِنَ بِالْقَدَرِ خَيْرِهِ وَشَرِّهِ ) (رواه مسلم / كتاب الإيمان )

* فوائد الإيمان بالقدر:

قال الشيخ محمد العثيمين رحمه الله.

1- أنه من تمام الإيمان .

2- من تمام الإيمان بالربوبية ، لأن قدر الله من أفعاله .

3- رد الإنسان أموره إلى ربه لأنه علم أن كل شيء بقضائه وقدره .

4- هون المصائب على العبد ، لأن الإنسان إذا علم أنها من عند الله ، هانت عليه المصيبة ، كما قال تعالى : (وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ) سورة التغابن : (11) 

* قال علقمه :( هو الرجل تصيبه المصيبة ، فيعلم أنها من عند الله ، فيرضى ويسلم ) .

5- يعرف الإنسان به حكمة الله عز وجل ، لأنه إذا نظر في هذا الكون وما يحدث فيه من تغييرات ، عرف بهذا حكمة الله عز وجل ، بخلاف من نسي القضاء والقدر فإنه لا يستفيد هذه الفائدة . (شرح العقيدة الواسطية للشيخ محمد العثيمين رحمه الله صــ541 – 542)

·     مراتب القدر.

الدرجة الأولى : ما يسبق المقدر وهي تضم مرتبتين وهما:

1- مرتبة العلم:  الإيمان بأن الله عالم كل ما يكون جملة وتفصيلاً بعلم سابق : لقوله تعالى { أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ * إِنَّ ذَٰلِكَ فِي كِتَابٍ * إِنَّ ذَٰلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ) سورة الحج : ( 70 )           

2- مرتبة الكتابة : أن الله كتب في اللوح المحفوظ مقادير كل شيء .

لقوله تعالى : { مَا أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ فِي الأَرْضِ وَلا فِي أَنفُسِكُمْ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مِّن قَبْلِ أَن نَّبْرَأَهَا } سورة الحديد : (22)  

حديث (كتب الله مقادير الخلائق قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة) رواه مسلم / كتاب القدر.

*الدرجة الثانية: ما يكون حال وقوع المقدر وهي تضم مرتبتين وهما :

 مرتبه المشيئة : إنه لا يكون شيء في السموات والأرض إلا بإرادة الله ومشيئة , ما شاء الله كان وما لم يشاء  لم يكن. لقال تعالي (فَمَن يُرِدِ اللَّهُ أَن يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ ۖ وَمَن يُرِدْ أَن يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ) سورة الأنعام ( 125 )                                    

 4ـ مرتبه الخلق إن كل شيء في السموات و الأرض مخلوق لله تعالى لا خالق غيره ولا رب سواه 0لقوله تعالى  (اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ) سورة الزمر ( 62 )

* قال الشيخ محمد العثيمين :

ـ قوله تعالى { إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْناهُ بِقَدَرٍ ) لما ذكر عذاب أهل النار ثم سيذكر نعيم أهل الجنة، ذكر بينهما أن هذا الخلق وتفاوته بقدر الله عز وجل فكل شيء مخلوق فهو بقدر، كل ذرة في رملة فهي مخلوقة بقدر، وكل نقطة تقع على الأرض من السحاب فهي مخلوقة بقدر.

قال النبي صلى الله عليه وسلم:

« كلُّ شيءٍ بقدَرٍ, حتَّى العجْزُ والكيْسُ » (أخرجه مسلم، كتاب القدر، باب كل شيء بقدر (2655) ..

 العجز: يعني تكاسل الإنسان.

والكيس: يعني حزم الإنسان ونشاطه في طلب ما ينفعه والبعد عما يضره.

وفي هذه الآية الكريمة :

دليل على أن الإنسان مخلوق لله تعالى، وأن أفعاله مخلوقة لله، وأن كل شيء قد قدر وانتهى، وإذا كان كذلك فيلجأ الإنسان إذا أصابته ضراء إلى الله الخالق، وإذا أراد السراء أيضاً يلتجئ إلى الله الخالق.(التفسير الثمين الشيخ محمد العثيمين 10/254)

* قال ابن كثير :

ـ قوله تعالى { إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْناهُ بِقَدَرٍ )أَيْ قَدَّرَ قَدَرًا وَهَدَى الْخَلَائِقَ إِلَيْهِ.

لِهَذَا يَسْتَدِلُّ بِهَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ :

أَئِمَّةُ السُّنَّةِ عَلَى إِثْبَاتِ قَدَرِ اللَّهِ السَّابِقِ لِخَلْقِهِ، وَهُوَ عِلْمُهُ الْأَشْيَاءَ قَبْلَ كَوْنِهَا وَكِتَابَتُهُ لَهَا قَبْلَ بُرْئِهَا.

وَفِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ :

«اسْتَعِنْ بِاللَّهِ وَلَا تَعْجِزْ فَإِنْ أَصَابَكَ أَمْرٌ فَقُلْ قَدَّرَ اللَّهُ وَمَا شَاءَ فَعَلَ، وَلَا تَقُلْ لَوْ أَنِّي فعلت كذا لَكَانَ كَذَا فَإِنَّ لَوْ تَفْتَحُ عَمَلَ الشَّيْطَانِ» « أخرجه مسلم في القدر حديث 34. وابن ماجة في المقدمة باب 10.

                                

* مشيئة الله في خلقه:

في قوله تعالى (وَما أَمْرُنا إِلاَّ واحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ * وَلَقَدْ أَهْلَكْنا أَشْياعَكُمْ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ * وَكُلُّ شَيْءٍ فَعَلُوهُ فِي الزُّبُرِ * وَكُلُّ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ مُسْتَطَرٌ)سورة القمر (50ـ 53)

* قال ابن كثير :

هذا إِخْبَارٌ عَنْ نُفُوذِ مَشِيئَتِهِ فِي خَلْقِهِ، كَمَا أخبرنا بِنُفُوذِ قَدَرِهِ فِيهِمْ

 ـ قَالَ تعالى ( وَما أَمْرُنا إِلَّا واحِدَةٌ) أَيْ إِنَّمَا نَأْمُرُ بِالشَّيْءِ مَرَّةً وَاحِدَةً لَا نَحْتَاجُ إِلَى تَأْكِيدٍ بِثَانِيَةٍ، فَيَكُونُ ذَلِكَ الَّذِي نَأْمُرُ بِهِ حَاصِلًا.

 ـ قَالَ تعالى (كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ ) مَوْجُودًا كَلَمْحِ الْبَصَرِ، لَا يَتَأَخَّرُ طَرْفَةَ عَيْنٍ.

ـ قوله تعالى (وَلَقَدْ أَهْلَكْنا أَشْياعَكُمْ) يَعْنِي أَمْثَالَكُمْ وَسَلَفَكُمْ مِنَ الأمم السالفة الْمُكَذِّبِينَ بِالرُّسُلِ.

ـ قوله تعالى ( فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ) أَيْ فَهَلْ مِنْ مُتَّعِظٍ بِمَا أَخْزَى اللَّهُ أُولَئِكَ وَقَدَّرَ لهم من العذاب.(تفسير ابن كثير 4/341ـ 342)

* قال الشيخ محمد العثيمين :

ـ قوله تعالى (وَكُلُّ شَيْءٍ فَعَلُوهُ فِي الزُّبُرِ) أي في الكتب.

وكتابة الأعمال كتابة سابقة، وكتابة لاحقة.

ـ الكتابة السابقة : كتابة على أن هذا سيفعل كذا، وهذه الكتابة لا يترتب عليها ثواب ولا عقاب، لأن المرء لم يكلف بها بعد.

معناها أن الله سبحانه وتعالى كتب في اللوح المحفوظ كل شيء .


ـ كتابة لاحقة : وهي كتابة أنه فعل، فإذا فعل الإنسان حسنة كتبها الله، وإذا فعل سيئة كتبها الله، وهذه الكتابة اللاحقة هي التي يترتب عليها الثواب والعقاب

فهي أن الله سبحانه وتعالى إذا عمل الإنسان عملاً كتبه.

 قال الله تعالى { وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ * كِرَامًا كَاتِبِينَ} سورة الانفطار (10ـ 11)

وهذه الكتابة هي التي يترتب عليها الثواب والعقاب.

ومعنى الآية: أن كل شيء يفعله الإنسان فإنه مكتوب، فلا تظن أنه يضيع عليك شيء أبداً.

ـ قوله تعالى { وَكُلُّ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ } كل صغير وكبير مما يحدث في هذا الكون من المخلوقات، وأوصافها، وأعمالها.

ـ قوله تعالى { مُسْتَطَرٌ } أي: مسطر في الكتاب العزيز، اللوح المحفوظ، كل صغير وكبير حتى الشوكة يشاكها الإنسان تكتب، حتى ما يزن مثقال ذرة من الأعمال يكتب، كل صغير وكبير، وإذا آمنت بذلك ويجب عليك أن تؤمن به، فإنه يجب عليك الحذر من المخالفة، فإياك أن تخالف بقولك، أو فعلك، أو تركك، لأن كل شيء مكتوب.(التفسير الثمين الشيخ محمد العثيمين 10/255ـ256)

                            

3) الوعد والوعيد في الآيات .

    * الوعد في الآية :

في قوله تعالى (إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ* فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ)سورة القمر (54ـ 55)

 * قال الشيخ محمد العثيمين :

ـ قوله تعالى (إِنَّ الْمُتَّقِينَ ) فاترك المنهي عنه، وافعل المأمور به.

 ـ قوله تعالى { فِي جَنَّاتٍ } الجنات جمع جنة، هي الدار التي أعدها الله لأوليائه، فيها ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، سكانها خير البشر، النبيون، والصديقون، والشهداء والصالحون، حتى تحفز النفوس على العمل لها.

ـ قوله تعالى {وَنَهَرٍ} يعني بذلك الأنهار.

ـ قوله تعالى { فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ } يعني في مقعد صدق ليس فيه كذب لا في الخبر عنه ولا في وصفه، كله حق .

ـ قوله تعالى { عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ } وهو الله جل وعلا، عند مليك مقتدر، يتنعمون بلذة النظر إلى الله عز وجل وهو أنعم ما يكون لأهل الجنة

ثم ينظرون إلى الله فيزدادون حسناً إلى حسنهم، ولهذا إذا رجعوا إلى أهلهم، قال لهم أهلوهم: إنكم ازددتم بعدنا حسناً بالنظر إلى وجه الله تبارك وتعالى. (أخرجه مسلم، كتاب الجنة وصفة نعيمها وأهلها، باب في سوق الجنة وما ينالون فيها من النعيم الجمال (رقم 2833)(التفسير الثمين الشيخ محمد العثيمين 10/ 257)

تم بحمد الله تفسير سورة القمر

صل الله على نبينا محمد وعلى اله وصحبه أجمعين


  جزء الرابع والعشرون سورة الزمر (3) قــال تـعــالـى ﴿ وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ أَنْ يَعْبُدُوها وَأَنابُوا إِلَى اللَّهِ لَ...