الأحد، 25 أكتوبر 2020


جزء قَدْ سَمِعَ (سورة الحشر (2)

قـــال تــعـــالـى

(مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوها قائِمَةً عَلى أُصُولِها فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيُخْزِيَ الْفاسِقِينَ *وَما أَفاءَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَما أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلا رِكابٍ وَلكِنَّ اللَّهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ عَلى مَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ * مَا أَفاءَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبى وَالْيَتامى وَالْمَساكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِياءِ مِنْكُمْ وَما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَما نَهاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ * لِلْفُقَراءِ الْمُهاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَأَمْوالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنَ اللَّهِ وَرِضْواناً وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ * وَالَّذِينَ تَبَوَّؤُا الدَّارَ وَالْإِيمانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كانَ بِهِمْ خَصاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ * وَالَّذِينَ جآءو مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنا وَلِإِخْوانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونا بِالْإِيمانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنا غِلاًّ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنا إِنَّكَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ)سورة الحشر (6ـ 10)

                                                 


1) سبب نزول هذه الآية:

في قوله تعالى(مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوها قائِمَةً عَلى أُصُولِها فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيُخْزِيَ الْفاسِقِينَ ) سورة الحشر (6)

* قال الشيخ محمد العثيمين :

ـ قوله تعالى(مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوها قائِمَةً عَلى أُصُولِها فَبِإِذْنِ اللَّهِ ) ولما لام بنو النضير رسول الله صل الله عليه وسلم والمسلمين في قطع النخيل والأشجار , وزعموا أن ذلك من الفساد وتوصلوا بذلك إلى الطعن بالمسلمين

أخبر الله تعالى أن قطع النخيل إن قطعوه أو إبقاءهم إياه إن أبقوه ,إنه بإذنه تعالى وأمره.

 ـ قوله تعالى(وَلِيُخْزِيَ الْفاسِقِينَ) حيث سلطكم على قطع نخلهم ,وتحريقها ,ليكون ذلك نكالاّ لهم , وخزياّ في الدنيا , وذلا يعرف به عجزهم التام ,الذي ما قدروا على استنقاذ نخلهم  , الذي هو مادة قوتهم.

اللينة: اسم يشمل سائر النخيل على أصح الاحتمالات وأولاها.

 فهذا حال بني النضير ,وكيف عاقبهم الله في الدنيا.(التفسير الثمين الشيخ محمد العثيمين 10/ 327)

الصَّحِيحِ مِنْ رِوَايَةِ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ بِنَحْوِهِ، وَلَفْظِ الْبُخَارِيِّ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ:

 حَارَبَتِ النَّضِيرُ وَقُرَيْظَةُ فَأَجْلَى بَنِي النَّضِيرِ وَأَقَرَّ قُرَيْظَةَ وَمَنَّ عَلَيْهِمْ حَتَّى حَارَبَتْ قُرَيْظَةُ، فَقَتَلَ مِنْ رجالهم وسبى وَقَسَّمَ نِسَاءَهُمْ وَأَوْلَادَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ إِلَّا بَعْضَهُمْ لَحِقُوا بِالنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَمَّنَهُمْ وَأَسْلَمُوا وَأَجْلَى يَهُودَ الْمَدِينَةِ كُلَّهُمْ بَنِي قينقاع، وهم رهط عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلَامٍ وَيَهُودَ بَنِي حَارِثَةَ وكل يهود بِالْمَدِينَةِ « أخرجه البخاري في المغازي باب 14، ومسلم في الجهاد حديث 62"

وَلَهُمَا أَيْضًا عَنْ قُتَيْبَةَ عَنِ اللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ

 أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى الله عليه وسلم حَرَّقَ نَخْلَ بَنِي النَّضِيرِ، وَقَطَعَ وَهِيَ الْبُوَيْرَةُ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ فِيهِ :

قوله تعالى(مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوها قائِمَةً عَلى أُصُولِها فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيُخْزِيَ الْفاسِقِينَ).

                          

 

2) الأحكام الشرعية في الآيات.

       * تعريف  الفيء وحكمه:

في قوله تعالى (وَما أَفاءَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَما أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلا رِكابٍ وَلكِنَّ اللَّهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ عَلى مَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ * مَا أَفاءَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبى وَالْيَتامى وَالْمَساكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِياءِ مِنْكُمْ وَما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَما نَهاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ)سورة الحشر (6ـ7)

  * قال ابن كثير :

يَقُولُ تعالى مبينا مال الْفَيْءِ وَمَا صِفَتُهُ وَمَا حُكْمُهُ، فَالْفَيْءُ كُلُّ مال أخذ من الكفار من غير قِتَالٍ وَلَا إِيجَافِ خَيْلٍ وَلَا رِكَابٍ، كَأَمْوَالِ بَنِي النَّضِيرِ هَذِهِ فَإِنَّهَا مِمَّا لَمْ يُوجِفِ الْمُسْلِمُونَ عَلَيْهِ بَخِيلٍ وَلَا رِكَابٍ، أَيْ لَمْ يُقَاتِلُوا الْأَعْدَاءَ فِيهَا بِالْمُبَارَزَةِ وَالْمُصَاوَلَةِ بَلْ نَزَلَ أُولَئِكَ مِنَ الرُّعْبِ الَّذِي أَلْقَى اللَّهُ فِي قُلُوبِهِمْ مِنْ هَيْبَةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَأَفَاءَهُ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ، وَلِهَذَا تصرف فيه كما يشاء فَرَدَّهُ عَلَى الْمُسْلِمِينَ فِي وُجُوهِ الْبِرِّ وَالْمَصَالِحِ الَّتِي ذَكَرَهَا اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ فِي هَذِهِ الآيات.(تفسير ابن كثير 4/ 428)

* قال الشيخ محمد العثيمين:

ـ قوله تعالى(وَما أَفاءَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ مِنْهُمْ ) أي: من أهل هذه القرية ,وهم بنو النضير .

ـ قوله تعالى (ف) إنكم يا معشر المسلمين

ـ قوله تعالى (ما أَوْجَفْتُمْ) أي: ما أجلبتم وأسرعتم وحشدتم .

ـ قوله تعالى (عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلا رِكابٍ) أي: لم تتعبوا بتحصيلها ,لا بأنفسكم ولا بمواشيكم ,بل قذف الله في قلوبهم الرعب ,فأتتكم صفواّ عفواّ.

ـ قوله تعالى (وَلكِنَّ اللَّهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ عَلى مَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) من تمام قدرته أنه لا يمتنع منه ممتنع ,ولا يتعزز من دونه قوي .

* تعريف الفيء في اصطلاح الفقهاء:

هو ما أخذ من مال الكفار بحق ,من غير قتال .

كهذا المال الذي فروا وتركوه خوفاّ من المسلمين ,وسمي فيئاّ ,لأنه رجع من الكفار الذين هم غير مستحقين له ,إلى المسلمين الذين لهم الحق الأوفر فيه.

* أقسام الفيء خمسة:

ـ خمس لله ورسوله يصرف في مصالح المسلمين عامة .

ـ خمس لذوي القربى .(وهم بنو هاشم وبنو المطلب ,حيث كانوا يسوى فيه بين ذكورهم وإناثهم ,وإنما دخل بنو المطلب في خمس الخمس مع بنو هاشم ,ولم يدخل بقية بني عبد المناف ,لأنهم شاركوا بني هاشم في دخولهم الشعب ,حين تعاقدت قريش على هجرهم وعداوتهم فنصروا رسول الله صل الله عليه وسلم بخلاف غيرهم .

ولهذا قال النبي صل الله عليه وسلم في بني عبدالمطلب (إنهم لم يفارقوني في جاهلية ولا إسلام)

ـ خمس لفقراء اليتامى : وهم من لا أب له ولم يبلغ.

ـ خمس للمساكين .

ـ خمس لأبناء السبيل ,وهم الغرباء المنقطع بهم في غير أوطانهم .

وإنما قدر الله هذا التقدير ,وحصر الفيء في هؤلاء المعينين

ـ قوله تعالى(دُولَةً) أي: مداولة واختصاصا

ـ قوله تعالى ( بَيْنَ الْأَغْنِياءِ مِنْكُمْ) فإنه لو لم يقدره لتداولته الأغنياء الأقوياء ,ولما حصل لغيرهم من العاجزين منه شيء وفي ذلك من الفساد مالا يعلمه .

ـ قوله تعالى (وَما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَما نَهاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ)

أن اتباع أمر الله وشرعه من المصالح مالا يدخل تحت الحصر , ولذلك أمر الله بالقاعدة الكلية والأصل العام

ـ قوله تعالى (وَما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَما نَهاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا)

ـوهذا شامل لأصول الدين وفروعه ,ظاهره وباطنه , وأن ما جاء به الرسول يتعين على العباد الأخذ به واتباعه ,ولا تحل مخالفته ,وأن نص الرسول على حكم الشيء كنص الله تعالى ,لا رخصة لأحد ولا عذر له في تركه ,ولا يجوز تقديم قول أحد على قوله .

ـ قوله تعالى (وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ) ثم أمر بتقواه التي بها عمارة القلوب والأرواح والدنيا والآخرة ,وبها السعادة الدائمة والفوز العظيم .(التفسير الثمين الشيخ محمد العثيمين 10/ 328)

وَقَدْ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ أَيْضًا عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «إِذَا أَمَرْتُكُمْ بِأَمْرٍ فاتوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ، وَمَا نَهَيْتُكُمْ عَنْهُ فَاجْتَنِبُوهُ» »أخرجه البخاري في الاعتصام باب 2، ومسلم في الفضائل حديث 130.

                           

* الْمُسْتَحِقِّينَ لِمَالِ الْفَيْءِ:

في قوله تعالى (لِلْفُقَراءِ الْمُهاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَأَمْوالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنَ اللَّهِ وَرِضْواناً وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ * وَالَّذِينَ تَبَوَّؤُا الدَّارَ وَالْإِيمانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كانَ بِهِمْ خَصاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ * وَالَّذِينَ جاؤُ مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنا وَلِإِخْوانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونا بِالْإِيمانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنا غِلاًّ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنا إِنَّكَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ)سورة الحشر (8ـ 10)

   * قال ابن كثير :

يَقُولُ تَعَالَى مُبَيِّنًا حَالَ الْفُقَرَاءِ الْمُسْتَحِقِّينَ لِمَالِ الْفَيْءِ

ـ قوله تعالى (أَنَّهُمْ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَأَمْوالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْواناً) أَيْ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَخَالَفُوا قَوْمَهُمُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ وَرِضْوَانِهِ.

ـ قوله تعالى (وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ) أَيْ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ صَدَّقُوا قَوْلَهُمْ بِفِعْلِهِمْ وَهَؤُلَاءِ هُمْ سَادَاتُ الْمُهَاجِرِينَ.

فقال تعالى( وَالَّذِينَ تَبَوَّؤُا الدَّارَ وَالْإِيمانَ مِنْ قَبْلِهِمْ ) مَادِحًا لِلْأَنْصَارِ وَمُبَيِّنًا فَضْلَهُمْ وَشَرَفَهُمْ وَكَرَمَهُمْ، وَعَدَمَ حسدهم وإيثارهم مع الحاجة , سَكَنُوا دَارَ الْهِجْرَةِ مِنْ قَبْلِ الْمُهَاجِرِينَ وَآمَنُوا قَبْلَ كَثِيرٍ منهم.

ـ قوله تعالى (وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حاجَةً مِمَّا أُوتُوا) أَيْ وَلَا يَجِدُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ حَسَدًا لِلْمُهَاجِرِينَ فِيمَا فَضَّلَهُمُ اللَّهُ بِهِ مِنَ الْمَنْزِلَةِ وَالشَّرَفِ وَالتَّقْدِيمِ فِي الذِّكْرِ وَالرُّتْبَةِ.

قَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ:

 وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حاجَةً يَعْنِي الْحَسَدَ  مِمَّا أُوتُوا .

 ـ قوله تعالى (وَيُؤْثِرُونَ عَلى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كانَ بِهِمْ خَصاصَةٌ) يَعْنِي حَاجَةً أَيْ يُقَدِّمُونَ الْمَحَاوِيجَ عَلَى حَاجَةِ أنفسهم ويبدؤون بِالنَّاسِ قَبَلَهُمْ فِي حَالِ احْتِيَاجِهِمْ إِلَى ذَلِكَ.

وَقَدْ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ:

«أَفْضَلُ الصَّدَقَةِ جَهْدُ الْمُقِلِّ» «أخرجه أبو داود في الوتر باب 12، والنسائي في الزكاة باب 49، والدارمي في الصلاة باب 135، وأحمد في المسند 2/ 358، 3/ 412، 5/ 178، 179، 265.

فإن هؤلاء تصدقوا وَهُمْ يُحِبُّونَ مَا تَصَدَّقُوا بِهِ، وَهَؤُلَاءِ آثَرُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ مَعَ خَصَاصَتِهِمْ وَحَاجَتِهِمْ إِلَى مَا أَنْفَقُوهُ.

وَقَالَ الْبُخَارِيُّ: حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ كَثِيرٍ حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ حَدَّثَنَا فُضَيْلُ بْنُ غَزْوَانَ حَدَّثَنَا أَبُو حَازِمٍ الْأَشْجَعِيُّ عَنْ أَبِي هريرة قال: أتى رَجُلٌ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَصَابَنِي الْجُهْدُ، فَأَرْسَلَ إِلَى نِسَائِهِ فَلَمْ يَجِدْ عِنْدَهُنَّ شَيْئًا، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

«أَلَا رَجُلٌ يُضَيِّفُ هذه اللَّيْلَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ» فَقَامَ رَجُلٌ مِنَ الْأَنْصَارِ فَقَالَ: أَنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَذَهَبَ إِلَى أهله فقال لامرأته: هذا ضَيْفُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا تَدَّخِرِيهِ شَيْئًا، فَقَالَتْ: وَاللَّهِ مَا عِنْدِي إِلَّا قُوتُ الصِّبْيَةِ. قَالَ: فَإِذَا أَرَادَ الصِّبْيَةُ العشاء فنوميهم، وتعالي فأطفئ السِّرَاجَ وَنَطْوِي بُطُونَنَا اللَّيْلَةَ، فَفَعَلَتْ ثُمَّ غَدَا الرَّجُلُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ:

 «لَقَدْ عَجِبَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ- أَوْ ضَحِكَ- مِنْ فُلَانٍ وَفُلَانَةٍ» وَأَنْزَلَ اللَّهُ تعالى: (وَيُؤْثِرُونَ عَلى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كانَ بِهِمْ خَصاصَةٌ) وَكَذَا رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ وَمُسْلِمٌ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ مِنْ طُرُقٍ عَنْ فُضَيْلِ بْنِ غَزْوَانَ بِهِ نَحْوَهُ وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ تَسْمِيَةُ هَذَا الْأَنْصَارِيِّ بِأَبِي طَلْحَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ. أخرجه البخاري في مناقب الأنصار باب 10، وتفسير سورة 59، باب 6، ومسلم من الأشربة حديث 172، والترمذي في تفسير سورة 59، باب 3.

وقوله تَعَالَى( وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) أَيْ مَنْ سَلِمَ مِنَ الشُّحِّ فَقَدْ أَفْلَحَ وَأَنْجَحَ.

قَالَ أَحْمَدُ  : حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ أَخْبَرَنَا دَاوُدُ بْنُ قَيْسٍ الْفَرَّاءُ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ مِقْسَمٍ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ

أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:

«إِيَّاكُمْ وَالظُّلْمَ فَإِنَّ الظُّلْمَ ظُلُمَاتٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَاتَّقُوا الشُحَّ فَإِنَّ الشُّحَّ أَهْلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ حَمَلَهُمْ عَلَى أَنْ سَفَكُوا دِمَاءَهُمْ وَاسْتَحَلُّوا مَحَارِمَهُمْ» انْفَرَدَ بِإِخْرَاجِهِ مُسْلِمٌ « فَرَوَاهُ عَنِ الْقَعْنَبِيِّ عَنْ دَاوُدَ بْنِ قَيْسٍ بِهِ. كتمن الصحابة ,ومن قبلهم ومن بعدهم , البر حديث 56، 57.(تفسير ابن كثير 4/ 430ـ 431ـ 432)

* قال الشيخ محمد العثيمين:

ـ قوله تعالى(وَالَّذِينَ جآءو مِنْ بَعْدِهِمْ) أي: من بعد المهاجرين والأنصار.

ـ قوله تعالى(يَقُولُونَ) على وجه النصح لأنفسهم ولسائر المؤمنين .

ـ قوله تعالى(رَبَّنَا اغْفِرْ لَنا وَلِإِخْوانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونا بِالْإِيمانِ) وهذا دعاء شامل لجميع المؤمنين , السابقين ومن قبلهم ومن بعدهم, وهذا من فضائل الإيمان ان المؤمنين ينتفع بعضهم ببعض, ويدعوا بعضهم بعض.

ـ قوله تعالى(وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنا غِلاًّ لِلَّذِينَ آمَنُوا) ولهذا ذكر الله في الدعاء نفي الغل عن القلب , الشامل لقليل الغل وكثيره الذي إذا انتفى ثبت ضده ,وهو المحبة بين المؤمنين والموالاة والنصح , ونحو ذلك من حقوق المؤمنين

ـ قوله تعالى (رَبَّنا إِنَّكَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ) دلت الآية الكريمة على أن هذا من جملة حقوق المؤمنين بعضهم لبعض ,ثم ختموا دعاءهم باسمين كريمين دالين على كمال رحمة الله وشدة رأفته وإحسانه بهم , الذي من جملته بل من آجله ,توفيقهم للقيام بحقوق الله وحقوق عباده .

فهؤلاء الأصناف الثلاثة وهم المستحقون الْفَيْءِ الذي مصرفه راجع إلى مصالح الإسلام .(التفسير الثمين الشيخ محمد العثيمين 10/ 329)

صل الله على نبينا محمد وعلى اله وصحبه أجمعين

السبت، 24 أكتوبر 2020


جزء قَدْ سَمِعَ (سورة الحشر (1)

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ

 (سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ * هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ مِنْ دِيارِهِمْ لِأَوَّلِ الْحَشْرِ مَا ظَنَنْتُمْ أَنْ يَخْرُجُوا وَظَنُّوا أَنَّهُمْ مانِعَتُهُمْ حُصُونُهُمْ مِنَ اللَّهِ فَأَتاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصارِ* وَلَوْلا أَنْ كَتَبَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الْجَلاءَ لَعَذَّبَهُمْ فِي الدُّنْيا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذابُ النَّارِ* ذلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَمَنْ يُشَاقِّ اللَّهَ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ)سورة الحشر (1ـ 4)

  1) تسمية السورة:

حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ عَنْ أَبِي بِشْرٍ عَنْ سَعِيدٍ بْنِ جُبَيْرٍ قَالَ: قُلْتُ لِابْنِ عَبَّاسٍ سُورَةُ الْحَشْرِ، قَالَ: أُنْزِلَتْ فِي بَنِي النَّضِيرِ، وَرَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ هُشَيْمٍ بِهِ، وَرَوَاهُ الْبُخَارِيُّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي عَوَانَةَ عَنْ أَبِي بِشْرٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ:

 قَالَ قُلْتُ لِابْنِ عَبَّاسٍ سُورَةُ الْحَشْرِ؟ قَالَ سورة بني النضير »أخرجه البخاري في تفسير سورة 59، باب 1، ومسلم في التفسير حديث 31.

 

                           

 

2) القصص القرآنية .

    قصة بني النضير مع الرسول عليه الصلاة والسلام :

  * قال الشيخ محمد العثيمين :

(هذه السورة تسمى "سورة بني النضير " وهم طائفة كبيرة من اليهود في جانب المدينة ,وقت بعثة النبي صل الله وعليه وسلم ,فلما بعث النبي عليه الصلاة والسلام كفروا به في جملة من كفر من اليهود ,فلما هاجر النبي إلى المدينة هادن سائر طوائف اليهود الذين هم جيرانه في المدينة .

فلما كان بعد وقعة بدر بستة أشهر أو نحوها ,خرج إليهم النبي وكلمهم أن يعينوه في دية* الكلابيين الذين قتلهم عمرو بن أمية الضمري, فقالوا : نفعل يا أبا القاسم اجلس هاهنا حتى نقضي حاجتك ,فخلا بعضهم ببعض ,وسول لهم الشيطان الشقاء الذي كتب عليهم , فتآمروا بقتلة ,وقالوا :أيكم يأخذ هذه الرحى فيصعد فيلقيها على رأسه يشدخه بها ؟

فقال أشقاهم عمرو بن جحاش : أنا , فقال لهم سلام بن مشكم : لا تفعلوا فو الله ليخبرن بما هممتهم به, وإنه لنقض العهد الذي بيننا وبينه

وجاء الوحي على الفور إليه من ربه , بما هموا به , فنهض مسرعاّ, فتوجه إلى المدينة ,ولحقه أصحابه

فقالوا : نهضت ولم نشعر بك , فأخبرهم بما همت يهود به.

وبعث إليهم رسول الله صل الله عليه وسلم "أن اخرجوا من المدينة ولا تساكنوني بها ,وقد أجلتكم عشراّ, فمن وجدت بعد ذلك بها ضربت عنقه".

فأقاموا أياماّ يتجهزون , وأرسل إليهم المنافق عبدالله بن أبي بن سلول

( أن لا تخرجوا من دياركم ,فإن معي ألفين يدخلون معكم حصنكم ,فيموتون دونكم , وتنصركم قريظة وحلفاؤكم من غطفان )

وطمع رئيسهم حيي بن أخطب فيما قال له , وبعث إلى رسول الله يقول :إنا لا نخرج من ديارنا ,فاصنع ما بدالك.

فكبر رسول الله صل الله عليه وسلم وأصحابه ,ونهضوا إليهم ,وعلي بن أبي طالب يحمل اللواء .

فأقاموا على حصونهم يرمون بالنبل والحجارة , واعتزالتهم قريظة ,وخانهم ابن أبي وحلفاؤهم من غطفان

فحاصرهم رسول الله صل الله عليه وسلم ,وقطع نخلهم وحرق.

 فأرسلوا إليه : نحن نخرج من المدينة .

فأنزلهم على أن يخرجوا منها بنفوسهم ,وذراريهم ,وأن لهم ما حملت إبلهم إلا السلاح ,وقبض رسول صل الله عليه وسلم  الأموال والسلاح .

وكانت بنو النضير , خالصة لرسول الله عليه صل الله عليه وسلم لنوائبه ومصالح المسلمين ,ولم يخمسها , لأن الله أفاءها عليه ,ولم يوجف المسلمون عليها بخيل ولا ركاب ,وأجلاهم إلى خبير وفيهم حيي بن أخطب كبيرهم ,واستولى على أرضهم وديارهم ,وقبض السلاح ,فوجد خمسين درعاّ, وخمسين بيضة ,وثلاثمائة وأربعين سيفاّ, هذا حاصل قصتهم كما ذكرها أهل السير.(التفسير الثمين الشيخ محمد العثيمين 10/ 326)

ـ سبب الدية:

ـ قال ابن كثير :

وَكَانَ سَبَبُ ذَلِكَ فِيمَا ذَكَرَهُ أَصْحَابُ الْمَغَازِي والسِّيَرِ أَنَّهُ لَمَّا قُتِلَ أَصْحَابُ بِئْرِ مَعُونَةَ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَكَانُوا سَبْعِينَ وَأَفْلَتَ مِنْهُمْ عَمْرُو بْنُ أُمَيَّةَ الضَّمْرِيُّ، فَلَمَّا كَانَ فِي أَثْنَاءِ الطَّرِيقِ رَاجِعًا إِلَى الْمَدِينَةِ قَتَلَ رَجُلَيْنِ مِنْ بَنِي عَامِرٍ، وَكَانَ مَعَهُمَا عَهْدٌ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَمَانٌ لَمْ يَعْلَمْ بِهِ عَمْرٌو

فَلَمَّا رَجَعَ أُخْبِرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لَقَدْ قَتَلْتَ رَجُلَيْنِ لَأَدِيَنَّهُمَا» وَكَانَ بَيْنَ بَنِي النَّضِيرِ وَبَنِي عَامِرٍ حِلْفٌ وَعَهْدٌ، فَخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى بَنِي النضير يستعينهم في دية ذينك الرجلين، وكانت مَنَازِلُ بَنِي النَّضِيرِ ظَاهِرَ الْمَدِينَةِ عَلَى أَمْيَالٍ منها شرقيها.(تفسير ابن كثير4/423 )

                                

 

2) مسائل العقيدة في الآيات .

   * تنزيه الله عما لا يليق بجلاله:

في قوله تعالى (سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ)سورة الحشر (1)

 * قال الشيخ محمد العثيمين :

افتتح تعالى هذه السورة بالإخبار أن جميع من في السماوات والأرض تسبح بحمده ربها , وتنزهه عما لا يليق بجلاله ,وتعبده وتخضع لجلاله

لأنه العزيز الذي قد قهر كل شيء , فلا يمتنع عليه شيء ,ولا يستعصي عليه مستعص الحكيم في خلقه وأمره ,فلا يخلق شيئاّ عبثاّ , ولا يشرع مالا مصلحة فيه ,ولا يفعل إلا ما هو مقتضي حكمته.(التفسير الثمين الشيخ محمد العثيمين 10/ 326)

* نصرة الله لرسوله عليه الصلاة والسلام

في قوله تعالى (هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ مِنْ دِيارِهِمْ لِأَوَّلِ الْحَشْرِ مَا ظَنَنْتُمْ أَنْ يَخْرُجُوا وَظَنُّوا أَنَّهُمْ مانِعَتُهُمْ حُصُونُهُمْ مِنَ اللَّهِ فَأَتاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصارِ)(سورة الحشر:2)

* قال الشيخ محمد العثيمين :

ـ قوله تعالى (هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ مِنْ دِيارِهِمْ لِأَوَّلِ الْحَشْرِ )نصر الله لرسوله صل الله عليه وسلم على الذين كفروا من أهل الكتاب من بني النضير حين غدروا برسوله فأخرجهم من ديارهم وأوطانهم التي ألفوها وأحبوها , وكان إخراجهم منها أول حشر وجلاء كتبه الله عليهم على يد رسوله محمد صل الله عليه وسلم فجلوا إلى خيبر

ودلت الآية الكريمة أن لهم حشراّ وجلاء غير هذا , فقد وقع حين أجلاهم النبي صل من خيبر , ثم عمر رضي الله عنه ,أخرج بقيتهم منها .

ـ قوله تعالى(مَا ظَنَنْتُمْ أَنْ يَخْرُجُوا ) من ديارهم لحصانتها ,ومنعتها ,وعزهم فيها .

ـ قوله تعالى(وَظَنُّوا أَنَّهُمْ مانِعَتُهُمْ حُصُونُهُمْ مِنَ اللَّهِ) فأعجبوا بها وغرتهم ,وحسبوا أنهم لا ينالون منها ,ولا يقدروا عليها أحد ,

قدر الله وراء ذلك كله , لا تغني عنه الحصون والقلاع , ولا تجدي فيهم القوة والدفاع.

ـ قوله تعالى(فَأَتاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا ) أي: من الأمر والباب ,الذي لا يخطر ببالهم أن يؤتوا منه .

ـ قوله تعالى (وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ ) وهو الخوف الشديد ,الذي هو جند الله الأكبر ,الذي لا ينفع معه عدد ولا عدة , ولا قوة ولا شدة , فالأمر الذي يحتسبونه ويظنون أن الخلل يدخل عليهم منه إن دخل هو الحصون التي تحصنوا بها واطمأنت نفوسهم إليها .

ومن وثق بغير الله فهو مخذول , ومن ركن إلى غير الله فهو عليه وبال

 فأتاهم أمر سماوي نزل على قلوبهم ,التي هي محل الثبات والصبر ,أو الخور والضعف ,فأزال الله قوتها وشدتها وأورثها ضعفاّ وخوراّ وجبناّ .

ولهذا قال تعالى (يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ) وذلك أنهم صالحوا النبي صل ,على أنهم ما حملت الإبل. فنقضوا لذلك كثيراّ من سقوفهم , التي استحسنوها ,وسلطوا المؤمنين بسبب بغيهم على إخراب ديارهم وهدم حصونهم , فهم جنوا على أنفسهم ,وصاروا عون عليها

ـ قوله تعالى (فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصارِ) أي: البصائر النافذة , والعقول الكاملة ,فإن في هذا معتبراّ يعرف به صنع الله تعالى في المعاندين للحق ,المتبعين لأهوائهم ,الذين لم تنفعهم عزتهم ,ولا منعتهم قوتهم حين جاءهم أمر الله.(التفسير الثمين الشيخ محمد العثيمين 10/ 326)

 

 

                           

3) الوعد والوعيد في الآيات.

    * الوعيد في الآيات:

في قوله تعالى (وَلَوْلا أَنْ كَتَبَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الْجَلاءَ لَعَذَّبَهُمْ فِي الدُّنْيا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذابُ النَّارِ *  ذلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَمَنْ يُشَاقِّ اللَّهَ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ)سورة الحشر (3ـ 4)

 * قال ابن كثير:

ـ قوله تعالى (وَلَوْلا أَنْ كَتَبَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الْجَلاءَ لَعَذَّبَهُمْ فِي الدُّنْيا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذابُ النَّارِ )أَيْ لَوْلَا أَنْ كَتَبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ هَذَا الْجَلَاءَ وَهُوَ النَّفْيُ مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ لَكَانَ لَهُمْ عِنْدَ اللَّهِ عَذَابٌ آخَرُ مِنَ الْقَتْلِ وَالسَّبْيِ وَنَحْوُ ذَلِكَ

قَالَهُ الزُّهْرِيُّ عَنْ عُرْوَةَ والسُّدِّيِّ وَابْنِ زَيْدٍ :لِأَنَّ اللَّهَ قَدْ كَتَبَ عَلَيْهِمْ أَنَّهُ سَيُعَذِّبُهُمْ فِي الدَّارِ الدُّنْيَا مَعَ ما أعد لهم في الدار الْآخِرَةِ مِنَ الْعَذَابِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ.(تفسير ابن كثير 4/ 424)

* قال الشيخ محمد العثيمين:

ثم أخبر تعالى أن هؤلاء اليهود لم يصبهم جميع ما يستحقون من العقوبة , وأن الله خفف عنهم .

فلولا أنه كتب عليهم الجلاء الذي أصابهم وقضاه عليهم وقدره بقدره الذي لا يبدل ولا يغير ,لكان لهم شأن اخر من عذاب الدنيا ونكالها , ولكنهم وان فاتهم العذاب الشديد الدنيوي ,فإن لهم في الآخرة عذاب النار, فما أعد الله لهم من العذاب في الآخر أعظم وأطم. (التفسير الثمين الشيخ محمد العثيمين 10/ 326ـ 327)

ـ قوله تعالى(ذلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَمَنْ يُشَاقِّ اللَّهَ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ )

* قال ابن كثير :

أَيْ: إِنَّمَا فَعَلَ اللَّهُ بِهِمْ ذَلِكَ وَسَلَّطَ عَلَيْهِمْ رَسُولَهُ وَعِبَادَهُ الْمُؤْمِنِينَ، لِأَنَّهُمْ خَالَفُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَكَذَّبُوا بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى رُسُلِهِ الْمُتَقَدِّمِينَ فِي الْبِشَارَةِ بِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَهُمْ يَعْرِفُونَ ذَلِكَ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ.

 ثُمَّ قَالَ( وَمَنْ يُشَاقِّ اللَّهَ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ)(تفسير ابن كثير 4/425)

صل الله على نبينا محمد وعلى اله وصحبه أجمعين

  جزء الرابع والعشرون سورة الزمر (3) قــال تـعــالـى ﴿ وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ أَنْ يَعْبُدُوها وَأَنابُوا إِلَى اللَّهِ لَ...