الأربعاء، 3 فبراير 2021


جزء الذاريات سورة الحديد (3)

قـــال تــعــالــى

(يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ يَسْعى نُورُهُمْ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمانِهِمْ بُشْراكُمُ الْيَوْمَ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها ذلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ * يَوْمَ يَقُولُ الْمُنافِقُونَ وَالْمُنافِقاتُ لِلَّذِينَ آمَنُوا انْظُرُونا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ قِيلَ ارْجِعُوا وَراءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُوراً فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بابٌ باطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذابُ * يُنادُونَهُمْ أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ قالُوا بَلى وَلكِنَّكُمْ فَتَنْتُمْ أَنْفُسَكُمْ وَتَرَبَّصْتُمْ وَارْتَبْتُمْ وَغَرَّتْكُمُ الْأَمانِيُّ حَتَّى جاءَ أَمْرُ اللَّهِ وَغَرَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ * فَالْيَوْمَ لَا يُؤْخَذُ مِنْكُمْ فِدْيَةٌ وَلا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مَأْواكُمُ النَّارُ هِيَ مَوْلاكُمْ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ * أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَما نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلُ فَطالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فاسِقُونَ  * اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآياتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ * إِنَّ الْمُصَّدِّقِينَ وَالْمُصَّدِّقاتِ وَأَقْرَضُوا اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً يُضاعَفُ لَهُمْ وَلَهُمْ أَجْرٌ كَرِيمٌ) سورة الحديد (12ـ 18)

                            

1) الوعد في الآيات :

* حال المؤمنين في عرصات يوم القيامة :

في قوله تعالى (يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ يَسْعى نُورُهُمْ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمانِهِمْ بُشْراكُمُ الْيَوْمَ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها ذلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ) سورة الحديد (12)

* قال ابن كثير :

يَقُولُ تَعَالَى مُخْبَرًا عَنِ الْمُؤْمِنِينَ  أَنَّهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَسْعَى نُورُهُمْ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ فِي عَرَصَاتِ الْقِيَامَةِ، بِحَسَبِ أَعْمَالِهِمْ.(تفسير ابن كثير 4/393)

* قال الشيخ محمد العثيمين:

ـ قوله تعالى { يَوْمَ تَرَى } يوم ترى أيها الإنسان.

ـ قوله تعالى { الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ } يوم القيامة .

ـ قوله تعالى { يَسْعَى نُورُهُمْ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ } أي: أمامهم, لأجل أن يقتدي الإنسان به.

ـ قوله تعالى { وَبِأَيْمانِهِمْ } وأما عن اليمين فتكريماً لليمين يكون بين أيديهم وبأيمانهم.

ـ قوله تعالى { يَسْعَى نُورُهُمْ } يفيد أن هذا النور على حسب الإيمان، الذكر والأنثى.

ـ قوله تعالى { بُشْراكُمُ } ما تبشرون به .

ـ قوله تعالى { الْيَوْمَ } يوم القيامة.

 ـ قوله تعالى { جَنَّاتٌ } هذه الجنات فيها ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، فيها ما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين, وجمعها لأنها جنات متعددة متنوعة، ودرجات مختلفة حسب قوة الإيمان والعمل.

ـ قوله تعالى { تَجْرِي } تسير، هذه الأنهار لا تحتاج إلى حفر ساقية ولا إلى جدول، بل تسير فلا تذهب يميناً ولا شمالاً.

ـ قوله تعالى { مِنْ تَحْتِهَا } تكون هذه الأنهار من تحت القصور العالية والأشجار الرفيعة .

ـ قوله تعالى { خالِدِينَ فِيها ذلِكَ }  ماكثين فيها، وهذا المكث دائم ليس فيه زوال ولا انقطاع ولا تغير.

ـ قوله تعالى { ذلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ } ما وعدهم الله به الجنات التي تجري من تحتها الأنهار هو الفوز العظيم، لأنه لا فوز مثله، كما أنه لا فوز أعظم منه.(التفسير الثمين الشيخ محمد العثيمين 10/297)

                                


2) الوعيد في الآيات.

* حال المنافقين في عرصات يوم القيامة :

في قوله تعالى (يَوْمَ يَقُولُ الْمُنافِقُونَ وَالْمُنافِقاتُ لِلَّذِينَ آمَنُوا انْظُرُونا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ قِيلَ ارْجِعُوا وَراءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُوراً فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بابٌ باطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذابُ * يُنادُونَهُمْ أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ قالُوا بَلى وَلكِنَّكُمْ فَتَنْتُمْ أَنْفُسَكُمْ وَتَرَبَّصْتُمْ وَارْتَبْتُمْ وَغَرَّتْكُمُ الْأَمانِيُّ حَتَّى جاءَ أَمْرُ اللَّهِ وَغَرَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ * فَالْيَوْمَ لَا يُؤْخَذُ مِنْكُمْ فِدْيَةٌ وَلا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مَأْواكُمُ النَّارُ هِيَ مَوْلاكُمْ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ)سورة الحديد (13ـ 15)

* قال ابن كثير :

ـ قال ابن عباس: بينما الناس في ظلمة إذا بعث الله نوراّ ,فلما رأى المؤمنون النور توجهوا نحوه ,وكان النور دليلاّ من الله إلى الجنة ,فلما رأى المنافقون المؤمنين قد انطلقوا اتبعوهم فأظلم الله على المنافقين.

ـ قال سُلَيْمُ بْنُ عَامِرٍ: فَمَا يَزَالُ الْمُنَافِقُ مُغْتَرًّا حَتَّى يُقَسَّمَ النُّورُ وَيُمَيِّزَ اللَّهُ بَيْنَ المنافق والمؤمن.(تفسير ابن كثير 4/394)

* قال الشيخ محمد العثيمين :

ـ قوله تعالى (يَوْمَ يَقُولُ ) يوم القيامة.

ـ قوله تعالى (الْمُنافِقُونَ وَالْمُنافِقاتُ) المنافقون هم الذين أظهروا الإسلام وأبطنوا الكفر

 وفي يوم القيامة يظهر نور للمؤمنين والمنافقين، ثم ينطفئ نور المنافقين.

ـ قوله تعالى { انْظُرُونا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ } فيقول المنافقون للذين آمنوا: نأخذ شيئاً قليلاً بقدر الحاجة.

ـ قوله تعالى { قِيلَ ارْجِعُوا وَراءَكُمْ } والقيل هذا إما من المؤمنين، أو من الملائكة، فالله أعلم لا ندري.

ـ قوله تعالى { فَالْتَمِسُوا نُوراً }

ـوهل هو حقيقة يريدون أن يذهبوا إلى مكان النور، الذي انطفأ فيه النور لعله يتجدد النور، أو أن هذا من الاستهزاء بهم والسخرية؟

 الآية محتملة هذا وهذا.

ـ قوله تعالى { فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ } أي بين المنافقين والمؤمنين .

ـ قوله تعالى { بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بابٌ } هذا سور عظيم، له باب يدخل منه المؤمنون ويمنع منه المنافقون.

ـ قوله تعالى { باطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ } باطن هذا السور فيه الرحمة للمؤمنين.

ـ قوله تعالى { وَظاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذابُ } للمنافقين.

ـ قوله تعالى { يُنادُونَهُمْ } المنادى المنافقون.

ـ قوله تعالى { أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ } يعني في الدنيا كنا نصلي معكم ونتصدق ونذكر الله

ـ قوله تعالى { قالُوا بَلى } يعني أنتم معنا، ولكن في الظاهر دون الباطن.

ـ قوله تعالى { وَلكِنَّكُمْ فَتَنْتُمْ أَنْفُسَكُمْ } يعني أضللتموها .

ـ قوله تعالى { وَتَرَبَّصْتُمْ } انتظرتم بنا الدوائر.

ـ قوله تعالى { وَارْتَبْتُمْ } شككتم في الأمر، فليس عندكم إيمان.

ـ قوله تعالى { وَغَرَّتْكُمُ الْأَمانِيُّ } أي: ظننتم أنكم محسنون لأنكم تقولون إن أردنا إلا إحساناً وتوفيقاً، نوفق بين المؤمنين والكافرين، وبين الإيمان والكفر، إذا لقوا الذين آمنوا قالوا آمنا فهم مع المؤمنين، وإذا خلوا إلى شياطينهم قالوا إنا معكم، فهم مع الكفار، ظنوا أنهم بهذه المداهنة كسبوا المعركة، فغرتهم الأماني.

 ـ قوله تعالى { حَتَّى جاءَ أَمْرُ اللَّهِ }وذلك بموتهم.

 ـ قوله تعالى { وَغَرَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ } الغرور هو الشيطان .

ـ قوله تعالى { فَالْيَوْمَ لَا يُؤْخَذُ مِنْكُمْ) أيها المنافقون.

ـ قوله تعالى { فِدْيَةٌ } الأسير في الدنيا يمكن أن يفدي نفسه ويبذل المال فيسلم، لكن في الآخرة ليس فيه فدية.

ـ قوله تعالى { وَلا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا } فلا فدية لا لهؤلاء ولا لهؤلاء.

 ـ قوله تعالى { مَأْواكُمُ النَّارُ } مثواكم ومآلكم النار.

ـ قوله تعالى { هِيَ مَوْلاكُمْ } فهم يتولون النار بعمل أهلها، والنار تتولاهم لأنهم مستحقون لها .

ـ قوله تعالى { وَبِئْسَ الْمَصِيرُ } المرجع وهذا تقبيح لها.(التفسير الثمين الشيخ محمد العثيمين 10/297ـ298)

                            

 

3)مسائل العقيدة في الآيات :

     * أهمية الانقياد لذكر الله تعالى :

أفي قوله تعالى (أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَما نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلُ فَطالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فاسِقُونَ )سورة الحديد(16)

  * قال ابن كثير :

أَمَا آنَ لِلْمُؤْمِنِينَ أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ، أَيْ تَلِينَ عِنْدَ الذِّكْرِ وَالْمَوْعِظَةِ وَسَمَاعِ الْقُرْآنِ فَتَفْهَمَهُ وَتَنْقَادَ لَهُ وَتَسْمَعَ لَهُ وَتُطِيعَهُ.(تفسير ابن كثير 4/396)

 * قال الشيخ محمد العثيمين :

ـ قوله تعالى { أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ } أن تذل وتنقاد غاية الانقياد لذكر الله تعالى في القلوب واللسان والجوارح .

ـ قوله تعالى { وَما نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ }  يعني القرآن الكريم، وهو من ذكر الله.

ـ قوله تعالى { وَلا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلُ } هم اليهود والنصارى .

ـ قوله تعالى { فَطالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ } يعني طال بهم الزمن ونسوا حظهم مما ذكروا به فقست قلوبهم لبعدهم عن زمن الرسالات.

وفي هذا إشارة إلى أن أول الأمة خير من آخرها، وأخشع قلوباً؛ وذلك لقربهم من عهد الرسالة.

 وقد صح بذلك الحديث عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم فقال:

 « خيرُ الناسِ قَرني ثم الذين يَلونهم ثم الذينَ يَلونهم »

(أخرجه البخاري، كتاب الشهادات، باب لا يشهد على شهادة جور إذا أشهد (2652) ومسلم، كتاب فضائل الصحابة، باب فضل الصحابة ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم (2533)(التفسير الثمين الشيخ محمد العثيمين 10/299)

                         

* قدرة الله على الهداية بعد الضلال والإحياء بعد الإماتة:

في قوله تعالى (اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآياتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ)سورة الحديد (17)

* قال ابن كثير :

فيه إشارة إلى أن الله تَعَالَى يُلِينُ الْقُلُوبَ بَعْدَ قَسْوَتِهَا وَيَهْدِي الْحَيَارَى بَعْدَ ضَلَّتِهَا، وَيُفَرِّجُ الْكُرُوبَ بَعْدَ شِدَّتِهَا، فَكَمَا يُحْيِي الْأَرْضَ الْمَيِّتَةَ الْمُجْدِبَةَ الْهَامِدَةَ بِالْغَيْثِ الْهَتَّانِ الْوَابِلِ، كَذَلِكَ يَهْدِي الْقُلُوبَ الْقَاسِيَةَ بِبَرَاهِينِ الْقُرْآنِ والدلائل، ويولج إليها النور بعد أن كَانَتْ مُقْفَلَةً لَا يَصِلُ إِلَيْهَا الْوَاصِلُ

 فَسُبْحَانَ الهادي لمن يشاء بعد الضلال، وَالْمُضِلِّ لِمَنْ أَرَادَ بَعْدَ الْكَمَالِ، الَّذِي هُوَ لما يشاء فعال، وهو الحكيم الْعَدْلُ فِي جَمِيعِ الْفِعَالِ، اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ الْكَبِيرُ المتعال.(تفسير ابن كثير 4/ 397)

* قال الشيخ محمد العثيمين:

أن الله يحيي الأرض بعد موتها، يعني أن الأرض تجدها يابسة ليس بها نبات فينزل الله عليها المطر فتنبت وتحيا وتنمو، وإن الناس أحياء الآن، ثم يموتون، ثم يبعثون يوم القيامة

 فالقادر على إحياء الأرض بعد موتها قادر على إحياء الأجسام بعد موتها من أجل الحساب والجزاء.(التفسير الثمين الشيخ محمد العثيمين 10/ 299)

                                                 

4)الأحكام الشرعية في الآيات:

* فضل الإنفاق في سبيل الله:

في قوله تعالى (إِنَّ الْمُصَّدِّقِينَ وَالْمُصَّدِّقاتِ وَأَقْرَضُوا اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً يُضاعَفُ لَهُمْ وَلَهُمْ أَجْرٌ كَرِيم)سورة الحديد(18)

* قال ابن كثير :

ـ قوله تعالى (إِنَّ الْمُصَّدِّقِينَ وَالْمُصَّدِّقاتِ ) يُخْبِرُ تَعَالَى عَمَّا يُثِيبُ بِهِ الْمُصَّدِّقِينَ وَالْمُصَّدِّقَاتِ بِأَمْوَالِهِمْ عَلَى أَهْلِ الْحَاجَةِ وَالْفَقْرِ وَالْمَسْكَنَةِ .

ـ قوله تعالى (وَأَقْرَضُوا اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً )أي دفعوه بنية خالصة ابتغاء مرضاة اللَّهِ لَا يُرِيدُونَ جَزَاءً مِمَّنْ أَعْطَوْهُ وَلَا شُكُورًا.

ـ قوله تعالى (يُضاعَفُ لَهُمْ) يُقَابِلُ لهم الحسنة بعشر أمثالها، ويزاد عَلَى ذَلِكَ إِلَى سَبْعِمِائَةِ ضِعْفٍ، وَفَوْقَ ذَلِكَ .

ـ قوله تعالى (وَلَهُمْ أَجْرٌ كَرِيمٌ) ثَوَابٌ جَزِيلٌ حَسَنٌ ومرجع صالح ومآب كريم.(تفسير ابن كثير 4/397ـ398)

صل الله على نبينا محمد وعلى اله وصحبه أجمعين

الثلاثاء، 2 فبراير 2021



 جزء الذاريات سورة الحديد(2)                   


قـــال تــعــالــى


(آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ فَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَأَنْفَقُوا لَهُمْ أَجْرٌ كَبِيرٌ * وَما لَكُمْ لَا تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ لِتُؤْمِنُوا بِرَبِّكُمْ وَقَدْ أَخَذَ مِيثاقَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ * هُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ عَلى عَبْدِهِ آياتٍ بَيِّناتٍ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ وَإِنَّ اللَّهَ بِكُمْ لَرَؤُفٌ رَحِيمٌ * وَما لَكُمْ أَلاَّ تُنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلِلَّهِ مِيراثُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقاتَلَ أُولئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقاتَلُوا وَكُلاًّ وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنى وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ * مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً فَيُضاعِفَهُ لَهُ وَلَهُ أَجْرٌ كَرِيمٌ)سورة الحديد (7ـ 11)

1) الأحكام الشرعية في الآيات.


* الأمر بوجوب الإيمان بالله ورسوله وبالإنفاق في سبيله.


في قوله تعالى (آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ فَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَأَنْفَقُوا لَهُمْ أَجْرٌ كَبِيرٌ * وَما لَكُمْ لَا تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ لِتُؤْمِنُوا بِرَبِّكُمْ وَقَدْ أَخَذَ مِيثاقَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ * هُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ عَلى عَبْدِهِ آياتٍ بَيِّناتٍ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ وَإِنَّ اللَّهَ بِكُمْ لَرَؤُفٌ رَحِيمٌ ) سورة الحديد (7ـ 9)


  • قال ابن كثير:

    أمر تبارك وتعالى بِالْإِيمَانِ بِهِ وَبِرَسُولِهِ عَلَى الْوَجْهِ الْأَكْمَلِ، وَالدَّوَامِ وَالثَّبَاتِ عَلَى ذَلِكَ وَالِاسْتِمْرَارِ، وَحَثَّ عَلَى الْإِنْفَاقِ.(تفسير ابن كثير 4/389)

  • قال الشيخ محمد العثيمين :

    ـ قوله تعالى{ آمِنُوا }  الخطاب للعباد كلهم.

    ـ قوله تعالى { بِاللَّهِ } رب العالمين

    ـ قوله تعالى { وَرَسُولِهِ } محمد عليه الصلاة والسلام، أرسله الله تعالى إلى جميع الخلق والإنس والجن. وختم به .

    ـ قوله تعالى { وَأَنْفِقُوا } الإنفاق البذل.

    ـ قوله تعالى { مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ } يعني المال؛ لأن الله جعلنا مستخلفين في المال فهو الذي ملكنا إياه.

    ـ قوله تعالى { فَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ } آمنوا بالله ورسوله.

    ـ قوله تعالى { وَأَنْفَقُوا } مما جعلهم مستخلفين فيه.

    ـ قوله تعالى { لَهُمْ أَجْرٌ كَبِيرٌ}

    يأمرنا بالعمل ونعمل به ويأجرنا عليه أجراً كثيراً، أجراً عظيماً، منة عظيمة كبيرة.

    ـ قوله تعالى { وَما لَكُمْ لَا تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ } يعني أي شيء يمنعكم من الإيمان بالله، وقد تمت أسباب وجوب الإيمان به

     لقوله تعالى { وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ لِتُؤْمِنُوا بِرَبِّكُمْ وَقَدْ أَخَذَ مِيثاقَكُمْ } هناك سببان للإيمان:

     الأول: دعوة النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم إليه.

    والثاني: الميثاق الذي أخذه الله علينا، وذلك بما أعطانا الله من الفطرة والعقل والفهم الذي ندرك به ما ينفعنا ويضرنا.

    هذا هو الصحيح في معنى الميثاق.

    ـ قوله تعالى (إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ } الزموا الإيمان بالله ورسوله.

    ـ قوله تعالى { هُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ عَلى عَبْدِهِ آياتٍ } علامات دالة على صدقه، وأن ما جاء به هو الحق.

    ـ قوله تعالى { بَيِّناتٍ } ظاهرات بما اشتملت عليه من القصص النافعة، والأخبار الصادقة، والأحكام العادلة، والفصاحة التامة.

    ـ قوله تعالى { لِيُخْرِجَكُمْ }

     ـ يحتمل أن يعود إلى الله عز وجل  أي ليخرجكم الله تعالى بهذه الآيات من الظلمات إلى النور.

    ـ ويحتمل أن يكون المراد بذلك الرسول صلى الله عليه وسلم أي يكون سبباً في إخراجكم من الظلمات إلى النور. وكلا المعنيين حق.

    ـ قوله تعالى (مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ ) والمراد بالظلمات: ظلمات الجهل، وظلمات الشرك، وظلمات العدوان، وظلمات العصيان، وكل ما خالف الحق فهو ظلمة.

    ـ قوله تعالى { وَإِنَّ اللَّهَ بِكُمْ لَرَؤُفٌ رَحِيمٌ } الرأفة أرق الرحمة، والرحمة أعم، فهو رؤوف رحيم. (التفسير الثمين الشيخ محمد العثيمين 10/292ـ 293ـ 294)

     

                           

     

    * فضل الإنفاق في سبيل الله قبل الفتح:

    في قوله تعالى (وَما لَكُمْ أَلاَّ تُنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلِلَّهِ مِيراثُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقاتَلَ أُولئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقاتَلُوا وَكُلاًّ وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنى وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ) سورة الحديد(10)

  • قال الشيخ محمد العثيمين:

    ـ قوله تعالى { وَما لَكُمْ أَلاَّ تُنْفِقُوا } أي شيء يمنعهم، والإنفاق في سبيل الله يشمل كل شيء أمر الله بالإنفاق فيه.

    ـ قوله تعالى { فِي سَبِيلِ اللَّهِ } هنا عامة، وعليه يدخل في ذلك الإنفاق (على النفس، و الزوجة، والأهل، والفقراء واليتامى، وفي الجهاد في سبيل الله)

    فكل ما أمر الله تعالى بالإنفاق فيه فهو داخل في هذه الآية حتى إنفاقك على نفسك صدقة.

    لقول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم لسعد بن أبي وقاص  رضي الله عنه :

    «واعلم أنك لن تنفق نفقة تبتغي بها وجه الله إلا أجرت عليها» (أخرجه البخاري، كتاب الجنائز، باب رقى النبي ? سعد بن خولة (1295) ومسلم، كتاب الوصية، باب الوصية بالثلث (1628) ..

    ـ قول تعالى {لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقاتَلَ } دين الإسلام دين العدل في العمل والجزاء.

    والمراد بالفتح :هنا صلح الحديبية الذي جرى بين النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم وبين قريش، وذلك في ذي القعدة من عام ستة من الهجرة، وسمي فتحاً، لأنه صار فيه توسيع للمسلمين وتوسيع أيضاً للمشركين. واختلط الناس بعضهم ببعض، وأمن الناس بعضهم بعض

    حتى يسر الله أن نقضت قريش العهد، فكان من بعد ذلك الفتح الأعظم، فتح مكة في السنة الثامنة من الهجرة في رمضان .

    ـ قول تعالى { أُولئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقاتَلُوا } وذلك لأن الأولين أنفقوا وقاتلوا وسبقوا إلى الإسلام وكان الإسلام في حاجة لهم ولإنفاقهم، فكانوا أفضل ممن أنفق من بعد وقاتل، والله سبحانه وتعالى يجزي بالعدل بين عباده.


      ـ قول تعالى { وَكُلاًّ وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنى } أي: كل من الذين أنفقوا من قبل الفتح وقاتلوا، والذين أنفقوا من بعد وقاتلوا، وعدهم الله الحسنى، يعني الجنة.


      ـ قول تعالى { وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ } أي: عليم ببواطن أموركم كظواهركم لا يخفى عليه.(التفسير الثمين الشيخ محمد العثيمين 10/294ـ295ـ296)


                            


  • الحث على الإنفاق في سبيل الله تعالى :

    في قوله تعالى (مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً فَيُضاعِفَهُ لَهُ وَلَهُ أَجْرٌ كَرِيمٌ)سورة الحديد (11)

  • قال الشيخ محمد العثيمين:


ـ قوله تعالى (مَنْ ذَا الَّذِي ) أين الذين يقرضون الله قرضاً حسناً، أي: ينفقون فيما أمرهم بالإنفاق فيه.


ـ قوله تعالى (يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضاً ) يعني لا يرى سوى الله .


ـ قوله تعالى (حَسَناً } لأن العمل الحسن ما كان موافقاً للشريعة الإسلامية.


وأشار الله في هذا إلى شيئين :


أن يكون مخلصاّ لله.


وأن يكون متابعاّ فيه إلى الرسول عليه الصلاة والسلام, هما شرطان في كل عمل .


ـ قوله تعالى { فَيُضاعِفَهُ لَهُ} والمضاعفة هنا الزيادة، فأنت إذا أنفقت درهماً فجزاؤه سبعمائة درهم، ثواباً من عند الله . وقد بين الله قدرها


في قوله تعالى (مَّثَلُ ٱلَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَٰلَهُمْ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنۢبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِى كُلِّ سُنۢبُلَةٍۢ مِّاْئَةُ حَبَّةٍۢ ۗ وَٱللَّهُ يُضَٰعِفُ لِمَن يَشَآءُ ۗ وَٱللَّهُ وَٰسِعٌ عَلِيمٌ)البقرة :261)


ـ قوله تعالى { وَلَهُ أَجْرٌ كَرِيمٌ } حسن واسع، وذلك فيما يجده في الجنة، ففيها ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر.(التفسير الثمين الشيخ محمد العثيمين 10/ 296ـ297)


 

 

2) الأمثال القرآنية :


* شبه الله الإنفاق في سبيله بالقرض:


في قوله تعالى (مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ)الحديد (11)


وصف الله الإنفاق في سبيله بالقرض تشبيهاّ بالقرض الذي يقرضه الإنسان غيره ,لأنك إذا أقرضت غيرك فإنك واثق من أنه سيرده عليك ,هكذا أيضاّ العمل الصالح سيرد على الإنسان بلا شك.


فإن قال قائل: لماذا عبر الله تعالى بالقرض وهو الغني سبحانه وتعالى؟


فالجواب: يقول هذا ليبين أن أجرهم مضمون، كما أن القرض مضمون، وسيرد عليه الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف إلى أضعاف كثيرة،


لكن كيف تكون الواحدة بعشرة وهي ربا في القرض، كيف يكون هذا؟


الجواب:


أولاً: لا ربا بين العبد وبين ربه.


ثانياً: القرض إذا أعطاك المقترض شيئاً بدون شرط فهو حلال.


 لأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم استقرض بكراً، والبكر يعني بعيراً صغيراً، وردَّ خيراً منه


وقال: «خيركم، أحسنكم قضاء» (أخرجه مسلم، كتاب المساقاة، باب من استسلف شيئاً فقضى خيراً منه (رقم 1601).(التفسير الثمين الشيخ محمد العثيمين 10/ 296ـ297ـ 300ـ 301)


صل الله على نبينا محمد وعلى اله وصحيه أجمعين

  جزء الرابع والعشرون سورة الزمر (3) قــال تـعــالـى ﴿ وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ أَنْ يَعْبُدُوها وَأَنابُوا إِلَى اللَّهِ لَ...